أبوظبي (الاتحاد)

يشهد العالم اليوم تحديات متزايدة ومتسارعة في التصدي لانتشار آفة المخدرات، ومن أبرزها التحديات الناشئة عن استغلال الفضاء الرقمي لترويج هذه المواد، وانتشارها عبر وسائل جديدة، مثل السجائر الإلكترونية والـ«فايب»، مما يجعل رقابة الأهل والجهات المختّصة أكثر صعوبة.
وأمام هذا المشهد المعقد، والزيادة المتسارعة في نسب المتعاطين وفقاً للإحصاءات العالمية، أصبحت المواجهة تتطلب مواكبة مختلفة، وأساليب جديدة والاعتماد على الشراكة المجتمعية الكاملة، وهو ما أدركته دولة الإمارات مبكراً، إذ تبنّت منظومة متكاملة وحاسمة تمثّلت في إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2024 - 2031، والتي ترتكز على محاور علمية ورقمية ومجتمعية تواجه الجريمة بنفس أدواتها الحديثة.
وجاءت الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات، التي ينظمها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، تحت شعار «توحيد الصف لاستئصال الآفة»، لتقود حراكاً شاملاً ومستداماً يعزّز الأسس الناجحة لمواجهة الآفة، ويترجم شراكة مجتمعية في التصدي لها.
وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن رصد أكثر من 1200 مادة تخليقية جديدة، حيث باتت هذه السموم المعملية تسيطر على النسبة الأكبر من حجم سوق المواد المخدرة الحديثة نظراً لسهولة إنتاجها وانخفاض تكلفتها، وهذه المواد أصبحت المسبب الأول والأساسي للوفيات بين الشباب والفئات العمرية المتوسطة في العديد من المجتمعات الغربية.
ورصدت التقارير الأممية قفزة كبيرة في استخدام المنصات الرقمية المشفرة و«الإنترنت» المظلم لترويج السموم، مما جعلها تستهدف اليافعين مباشرة في غرفهم.
وأثبتت الدراسات الإحصائية الحديثة أن استخدام السجائر الإلكترونية «الفايب» يزيد من احتمالية تعاطي مواد أخرى، خصوصاً مع صعوبة كشف الزيوت والمؤثرات العقلية المدمجة بها.
وأدّت هذه التحديات مجتمعة إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عالمياً ليصل إلى 316 مليون شخص (في الفئة العمرية بين 15 و64 عاماً) وهذا الرقم يمثل 6% من سكان العالم في هذه الفئة العمرية، حيث سجل هذا الارتفاع قفزة بنسبة 28 % خلال العقد الأخير، وهي نسبة نمو كبيرة، وتتجاوز بكثير معدل نمو السكان العالمي خلال الفترة نفسها.
وقدّمت الإمارات نموذجاً استثنائياً في حماية أبنائها وتحصين مجتمعها، وبادرت إلى بناء منظومة استباقية متكاملة بأدوات عصرية ترتكز على الردع والاستباقية التكنولوجية، وبناء المناعة المجتمعية، والعلاج والتأهيل وإعادة الدمج.
وتتمثل منظومة دولة الإمارات في الردع والاستباقية التكنولوجية، بتوظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في المواجهة إذ تعتمد الأجهزة الأمنية في الدولة على أحدث التقنيات لرصد وتحليل أنماط التهريب عبر الفضاء الرقمي، وملاحقة الحسابات المروجة عبر الشبكات وتفكيكها استباقياً بالتنسيق مع شركائها الدوليين، كما كثّفت الدولة الرقابة الصارمة على المنافذ عبر تشديد الرقابة الجمركية والأمنية باستخدام أنظمة فحص ذكية قادرة على كشف الشحنات المخفية والمواد الكيميائية المعقدة قبل دخولها الدولة.
وتركز الإمارات في استراتيجيتها على بناء المناعة المجتمعية في مواجهة آفة المخدرات عبر ترسيخ شراكة كاملة بين جميع مؤسسات المجتمع، بدءاً من الأسرة والمدرسة وتعاون جميع الجهات المعنية للعمل على بناء حصانة ذاتية لدى الشباب، من خلال برامج توعية متخصّصة تمنحهم الوعي المعرفي وشجاعة الرفض لأي تضليل، وتدريب الأسر على مهارات الكشف المبكر والاحتواء.
وعملت الإمارات على تطوير منصة وطنية للأدوية المراقبة لضمان الاستخدام المسؤول والآمن للأدوية الطبية، التي يمكن لاستخدامها غير المدروس أن يسبب الإدمان، وسد الثغرات أمام أي استغلال طبي غير قانوني.
ويبرز العلاج والتأهيل وإعادة الدمج كأهم الركائز في استراتيجية الإمارات، من خلال توفير بيئات علاجية وتأهيلية متطورة وسرية تضمن للمتعافين العودة كأفراد صالحين ومنتجين، إضافة إلى الدمج الوظيفي والمجتمعي، عبر تفعيل آليات لدعم المتعافين، ودمجهم في سوق العمل، والحد من معدلات العودة «الانتكاسة»، مع العمل المستمر على خفض الوصمة الاجتماعية المرتبطة بحالات التعاطي السابقة.
ونجح النموذج الإماراتي، من خلال هذه الركائز، في تحويل الإجراء من التجريم إلى التمكين والرعاية، وعدم التعامل مع القضية كملف أمني بحت، بل معالجة الجذور الإنسانية والاجتماعية للمشكلة، للوصول إلى مجتمع خالٍ من السموم عبر برامج وطنية مبتكرة ترتكز على تطوير المناعة المجتمعية.
ويُعد القانون الإماراتي الإنساني الأساس الأكثر أهمية في نجاح نموذجنا الوطني في مواجهة آفة المخدرات، إذ وفّر لطالبي الدعم العلاجي والتأهيلي عبر خدمة حصن على الرقم (80044) التي أطلقها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات مخرج أمان وأمل، من خلال الركائز التي يضمنها لهم وهي: السرية المطلقة، والخصوصية التامة، والعلاج والرعاية بأعلى المعايير الطبية والتأهيلية، والإعفاء التام من المسؤولية الجنائية.