سامي عبد الرؤوف (أبوظبي)

يمثّل «يوم عهد الاتحاد» مناسبة وطنية سنوية لاستذكار تلك المحطة التاريخية الفاصلة في عام 1971 عندما وقّع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام «وثيقة الاتحاد» ودستور الدولة، وأُعلن فيه بيان الاتحاد والاسم الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وشكّل هذا الاجتماع التاريخي إحدى الخطوات الرئيسة في تأسيس اتحاد الإمارات يوم 2 ديسمبر من عام 1971.
وشكل الحدث، اللبنة الأساسية لنهج دولة الإمارات للعبور إلى مستقبل مزدهر ومشرق ومستدام، والدعامة الرئيسة لمسيرة النماء والرخاء المتواصلة التي تزداد صلابة في ظل الرؤية الاستشرافية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.
وفي هذه المناسبة الوطنية، نجدد الولاء والعهد لقيادتنا الرشيدة كي يبقى علم الدولة شامخاً خفاقاً قوياً عبر مواصلة العمل الجاد والمخلص والعطاء الصادق غير المحدود من أجل رفعة الوطن، مستلهمين «روح الاتحاد» الذي يحفّز الهمم ويشحذ الطاقات كي نحافظ على منجزات الوطن ومكتسباته.

الإنسان أولاً
شهدت الدولة من التطور والازدهار منذ تأسيسها، ما مكّنها من ترسيخ مكانتها في مصاف دول العالم الأكثر تقدماً وتأثيراً، والوقوف بثبات على الساحة الدولية بفضل القيادة الحكيمة والرؤية المستقبلية وجهود أبنائها المخلصين. 
ولقد صنعت الإمارات قصة نجاح، أبرزت أهمية التخطيط والعمل الدؤوب ضمن رؤية استشرافية في تحقيق الإنجازات الكبرى نحو ترسيخ أركان الدولة واستدامة الإنجازات مواكبة لرؤية مئوية الإمارات 2071.
ومن أبرز ما حققته الدولة في تاريخها المشرق، هو الاهتمام بالإنسان، فهو الغاية والهدف المنشود، عبر تطبيق استراتيجية جودة الحياة، التي تستهدف أن يتمتع كافة فئات المجتمع من مواطنين ومقيمين وزوّار بالمفهوم الشامل لجودة الحياة المتكاملة، وجعل الدولة الرائدة عالمياً في مجال جودة الحياة، وترسيخ مكانتها مكاناً مفضلاً للعيش والعمل على مستوى العالم، والمقصد المفضل للزوّار من كل أنحاء العالم.
وتتضمن استراتيجية جودة الحياة في الإمارات، مشاريع ومبادرات وخطط داعمة، تُعنى بالثقافة والترفيه، والبيئة الطبيعية، والبيئة الحضرية، والتنقل، والمجتمع والأسرة، والبيئة الاقتصادية، والتوظيف وظروف العمل، والتعليم، والسلامة والأمن، والصحة. 
وتستهدف الاستراتيجية، الفرد والمجتمع والمدينة، وتضع الإنسان محوراً أساسياً لها، من خلال تحديد الأولويات ومواءمتها مع المتطلبات الحالية والمستقبلية بما يضمن استدامة الموارد، ويضمن نجاح تنفيذ الخطط وتحقيق مستهدفاتها، في ظل تكامل الخدمات وتوظيف التقنيات المتقدمة، إضافة إلى المراجعة الدورية لخطط القطاعات الداعمة للتخطيط الحضري، التي تضمن المواءمة والمرونة والتكيف مع المتغيرات. 
وتستهدف استراتيجية الدولة كل فئات المجتمع من المواطنين والمقيمين وزائري الدولة من كل أرجاء العالم، كما تركّز المشاريع والمبادرات، على فئات رئيسية تشمل المرأة، وكبار السن، المواطنين، وأصحاب الهمم، الأطفال والشباب، وفئة الموظفين.
ويشارك القطاع الخاص بدور فاعل في تنفيذ المبادرات والمشروعات الخاصة باستراتيجية جودة الحياة في الدولة، وذلك في إطار الدور المؤثر الذي يقوم به في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة في الإمارة، وبما يصب في اتجاه تسريع تحقيق الأهداف الطموحة التي تضمنتها رؤية واستراتيجية الإمارات.

مسؤولية مشتركة
تشمل مستهدفات محاور استراتيجية جودة الحياة في الإمارات، محاور مختلفة تركز على الارتقاء بجودة الحياة باعتبارها أداة عملية تسهم في تحقيق رفاه وسعادة المجتمع التي تعتبر الهدف النهائي من العمل الحكومي، ومسؤولية مشتركة بين كافة الجهات. وتشكل هذه الاستراتيجية خطوة مهمة لتعزيز مفهوم جودة الحياة الشاملة في الإمارات.

البنية التحتية
نفّذت الدولة الكثير من الخطط الاستراتيجية والمبادرات النوعية من بينها الجيل الجديد للحدائق، واستراتيجية المشي والخطط الشاملة لتطوير براري وأرياف المدن وتطوير الشواطئ واستراتيجية التشجير والحدائق والمساحات المفتوحة والزراعة الحضرية ومرافق رياضية وترفيهية في متناول الجميع.
وتطبق استراتيجية جودة الحياة، خطة متكاملة لتطوير الشواطئ، حيث تشمل عدداً من المشاريع التنموية، كمضاعفة أطوال الشواطئ العامة ورفع نسبة الخدمات العامة فيها وجعلها صديقة لأصحاب الهمم وكبار المواطنين، وزيادة أطوال مسارات الدراجات الهوائية في الشواطئ، وزيادة أطوال شواطئ السباحة الليلية، وتخصيص شواطئ جديدة مخصصة للنساء. 
بالإضافة إلى رؤية مبتكرة لتصميم الأحياء النموذجية، إذ تسهم الرؤية الجديدة في تحسين وتطوير البنية التحتية للأحياء القائمة ودعم الأنشطة الاجتماعية والخدمات فيها، ودعم التنقل المرن والبيئة الصحية، وتعزيز التواصل بين المراكز المجتمعية بالمنطقة مثل الحدائق والمساجد والمحلات التجارية، وتنفيذ مسارات المشاة والدراجات الهوائية، وزراعة الأشجار والنباتات. 
ووفقاً لهذه الرؤية، تم تطوير الشوارع التجميعية القائمة وإنشاء مظلات ومسارات للدراجات الهوائية والسكوترات الكهربائية وأرصفة للمشاة واستراحات وأماكن للترفيه للعائلات، وتوفير الزراعات التجميلية، وتنفيذ مداخل معمارية للتجمعات السكنية وتخصيص هوية متفردة لكل حي. وتحسين عدد من السكيك وتقاطعاتها مع الطرق لرفع مستوى السلامة ولتتضمن مسارات للمشاة، إلى جانب توفير الفرص الاستثمارية لأهالي الأحياء وتعزيز الخدمات العامة فيها، والعمل على تسهيل حركة وانسيابية تنقل الأفراد للوصول إلى الخدمات الرئيسية من خلال أنظمة التنقل المرنة المستدامة. 
كما صممت الدولة، جيلاً جديداً للحدائق والتي تشمل عناصر تصميم جديدة ومبتكرة تراعي احتياجات كافة فئات المجتمع وتتماشى مع طبيعة كل منطقة، وتشمل مساحات رياضية وفعاليات وأنشطة مستدامة تعزز جودة الحياة.

موطن الطبيعة 
تعمل الدولة، على الحفاظ على التنوع البيولوجي الذي تتمتع به، حيث تسعى استراتيجية جودة الحياة، من خلال البيئة الطبيعية إلى تعزيز نمط عيش وممارسات تسهم في المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية وتضمن استدامتها للأجيال الحالية والقادمة.
ويتضمن عدداً من المشاريع والمبادرات التي تضمن تحقيق الارتقاء بجودة الحياة والحفاظ على استدامة البيئة ومنها محطات ومواقع لرصد بيئة المياه وملوثات الهواء، وأكبر مشروع في العالم لتحويل النفايات إلى طاقة، بالإضافة إلى وجود محميات طبيعية برية وبحرية. 
وتسعى استراتيجية جودة الحياة إلى الحفاظ على مركز الصدارة الذي تتبوأه الإمارات على مؤشر حصول الفرد على الكهرباء، حيث جاءت دبي في المركز الأول عالمياً في الحصول على الكهرباء، وهو ما أسهم في إبداء السكان لمستوى مرتفع من الرضا عن جودة المياه والكهرباء ضمن استبيان جودة الحياة. 
وتسعى الاستراتيجية إلى تحقيق عدد من المستهدفات في قطاع الطاقة حتى 2033، منها التوسع في توفير محطات شحن الكهرباء واحداً من أهم المبادرات التي تسعى الاستراتيجية إلى تحقيقها، بالإضافة إلى تطوير مشاريع الطاقة الشمسية الذي من بينها أكبر مجمع للطاقة الشمسية على مستوى العالم من موقع واحد. 

سعادة المجتمع 
وتتطلع استراتيجية جودة الحياة لتقديم تجربة فريدة من نوعها في رفاهية وسعادة المجتمع قائمة على محاور رئيسة يستهدف أولها، الارتقاء بجودة الحياة على مستوى الفرد، حيث تنفذ الاستراتيجية خطط تطوير تضع الإنسان ورفاهيته واستقراره وسعادته على رأس أولوياتها.
ويسعى المحور الأول إلى ترسيخ التكامل بين صحة الفرد وسعادته وجودة حياته وقدرته على الإنتاجية. 
ويركّز المحور الرئيس الثاني في استراتيجية جودة الحياة، على المجتمع، حيث يسعى إلى تحسين حياة الفرد بصفته جزءاً من مجتمع أكبر من خلال مسار جودة الحياة العاطفية وتمكين مجتمع متلاحم يفتخر بهويته ويحافظ على ثقافته والقيم الإماراتية، التي نشأ عليها ويعتز بانتمائه ويزهو بإنجازات الإمارات. 
وتستهدف الاستراتيجية توفير بيئة متكاملة تدمج في نسيجها كافة فئات المجتمع وتحافظ على ثقافته وتراثه وتقاليده وتعزز من التلاحم المجتمعي. كما يسعى المحور الرئيس الثاني، إلى تعزيز التنوع الثقافي في المجتمع. فيما يستهدف المحور الرئيس الثالث، الارتقاء بجودة الحياة على مستوى الدولة. 

نقلة نوعية
تسعى استراتيجية جودة الحياة إلى إحداث نقلة نوعية في محور التنقل، بهدف تطوير حلول مبتكرة وبنية تحتية متكاملة وصديقة للجميع تتبنى أحدث التطورات في البنية التحتية للتنقل وتقوم على التقليل من استخدام المركبات الخاصة والتشجيع على استخدام وسائل النقل الجماعي، بشكل يسهم في خفض البصمة الكربونية، ويسهل من الوصول إلى مناطق الجذب ويزيد السلامة على الطرقات، وصولاً لأن تكون مدن الدولة ضمن أفضل مدن في سهولة التنقل على مستوى العالم.
وتستهدف الاستراتيجية تحقيق نقلة نوعية في توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال التنقل الذاتي لخدمة الإنسان، وبما يؤسس نموذجاً عالمياً متفرداً لمدن المستقبل، ويحقق رؤية قيادتنا الرشيدة في أن تكون الدولة مكاناً مستداماً للعيش تتمتع فيه أجيال المستقبل بأرقى الخدمات الذكية في بيئة مستدامة.
وتسعى الاستراتيجية إلى زيادة نسبة الرحلات التي تتم بوسائل النقل ذاتية القيادة، والرحلات التي تتم بوسائل التنقل المستدام مع التركيز على تحويل المدن إلى مدن صديقة للمشاة.  وترمي الاستراتيجية إلى ترسيخ النقلة النوعية التي شهدتها الإمارات في مجال التنقل، حيث ارتفعت نسبة رحلات النقل الجماعي والمشترك مع دقة مواعيد وسائل التنقل. 

انفتاح وتنوع
وتولي استراتيجية جودة الحياة، اهتماماً بالثقافة والترفيه، من خلال فعاليات تعكس نهج الانفتاح والتطوير الذي تتبعه الإمارات ترسيخاً لرصيدها الثقافي والإبداعي الذي تتخذه كأحد الأسس التي ترتكز عليها في سعيها نحو ريادة المستقبل.
ويعكس الزخم الكبير الذي تحمله الاستراتيجية، المكانة الرائدة للدولة باعتبارها مركزاً عالمياً للثقافة والإبداع ومنارة للإشعاع المعرفي والحضاري، وجسراً حيوياً يربط بين مختلف ثقافات العالم، في ظل استضافتها لنحو 200 جنسية تعيش في وئام كامل على أرضها.
وتسعى إلى تمكين منظومة متكاملة هدفها تعزيز مكانة الإمارات الثقافية لتكون وجهة عالمية للممارسات الثقافية والتجارب الإبداعية وحاضنة للفعاليات الدولية، وبما يضمن دعم الاقتصاد الإبداعي للإمارات، حيث توفّر الاستراتيجية معطيات تكفل للحياة الثقافية تطورها وتميّزها وتنوعها، وتمنح جميع السكان المساحة الكافية للإبداع، في أجواء تحفز على تطوير أفكار خلاقة تثري الحياة الثقافية للمجتمع.
وتتضمن الاستراتيجية فعاليات سنوية تتنوع بين الرياضية والمجتمعية، والثقافية، والفنية، والترفيهية، وبما يضمن تحويل الدولة ملتقى للثقافات المختلفة والترفيه غير المحدود الذي يحتفي فيه كل فرد بهويته ويفخر بها وينعم بكافة أنواع الفعاليات التي تلبي تطلعاته وبما يجعل مواطني وسكان وزوار الإمارات الأسعد في العالم.

الاستثمار في القدرات
تضع جودة الحياة في الإمارات، الشباب والأطفال على رأس أولوياتها، حيث تسعى إلى توفير الدعم لهم، وتمكينهم من إطلاق طاقاتهم وقدراتهم، والمساهمة بفاعلية في خدمة وطنهم، وإعداد أجيال مؤهلة وقادرة على ابتكار الحلول الفعالة لجميع التحديات المستقبلية التي قد تواجه المجتمع.
وتستثمر الإمارات، في تنمية قدرات ومهارات الأجيال الشابة، لتعزيز مساهمتهم في مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة، وبما يحقق رؤى قادتنا الرشيدة المتمثلة في أن الحكومات لا تستطيع بناء تنمية راسخة لشعوبها من دون شراكة حقيقية مع شبابها وأن الشباب سرّ نهضة وصناع مستقبل الدول.
وركزت استراتيجية جودة الحياة على وضع عدد من المبادرات المتعلقة بالأطفال والشباب، من خلال تعزيز الصحة النفسية ومعايير فحص حديثي الولادة، والمدارس النشطة، والتوجيه والإرشاد المهني للشباب، وبرنامج سلامة الأطفال على الإنترنت ومتحف STEM للأطفال.

الرقعة الخضراء
وتضع استراتيجية جودة الحياة، مستهدفات طموحة لتوسعة التشجير، حيث تشكل المساحات الخضراء أهمية بيئية، إلى جانب أهميتها التجميلية، إذ تعمل على خفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين نوعية الهواء، وخفض درجات الحرارة. 
وتعمل الإمارات، وفق خطط مدروسة لتوسيع نطاق المساحات الخضراء التجميلية لتشمل كافة مناطق دبي، مع التركيز على التوسع في زراعة الأشجار والزهور في الشوارع والطرقات العامة والساحات والمتنزهات، وفقاً لمعايير الاستدامة التي تتبعها بما في ذلك مشاريع الري المستدام.
ويعتبر التشجير أحد العناصر الرئيسة الداعمة للاستراتيجية، حيث يتم تنفيذ حزمة من المشاريع التي تستهدف زيادة إجمالي الرقعة الخضراء من خلال تنفيذ مبادرات رئيسة، تشمل زيادة المسطحات الخضراء ومضاعفة مساحة الحدائق العامة، وتشجير محرمات الطرق الرئيسة، وتطوير الحدائق والساحات المفتوحة في مناطق مختلفة على مستوى الدولة.