جمعة النعيمي (أبوظبي)

أكد المقدم سعيد الشبلي، نائب مدير إدارة الأمن الرقمي في وزارة الداخلية، أن دولة الإمارات العربية المتحدة أولت ملف حماية الأطفال في الفضاء الرقمي اهتماماً بالغاً، عبر منظومة تشريعية متكاملة تستند إلى رؤية واضحة توازن بين الانفتاح التكنولوجي ومتطلبات الحماية المجتمعية. 
وأوضح أن قانون حقوق الطفل «وديمة» يُشكِّل إحدى الركائز الأساسية في هذا الإطار، إذ ينص على حماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال أو الإساءة أو الإهمال، بما في ذلك ما قد يتعرض له داخل البيئة الرقمية. 
وأشار إلى أن التشريعات الحديثة المرتبطة بالسلامة الرقمية للأطفال باتت تؤكد بصورة متزايدة مسؤولية المنصات الرقمية في توفير بيئات تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة، خصوصاً مع التوسع الهائل في استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية. 

الأمن الوقائي الرقمي  
وقال المقدم سعيد الشبلي في حوار لـ«الاتحاد»: إن دور وزارة الداخلية في هذا المجال لا يقتصر على ملاحقة الجرائم الإلكترونية والتحقيق فيها، بل يمتد إلى تبنِّي مفهوم «الأمن الوقائي الرقمي»، القائم على منع الخطر قبل وقوعه، من خلال التوعية والتشريعات والشراكات التقنية وبناء ثقافة مجتمعية رقمية آمنة. وأضاف أن الوزارة تُنفِّذ جهوداً متواصلة للتوعية بمخاطر الابتزاز الإلكتروني والاستغلال والتنمر الرقمي، إلى جانب توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن أي تهديدات قد يتعرض لها الأطفال. 
كما تعمل الجهات المختصة على تطوير قدراتها التقنية لرصد الجرائم الرقمية التي تستهدف الأطفال وملاحقة مرتكبيها بالتنسيق مع الجهات المحلية والدولية والمنصات الرقمية المختلفة. 
وأوضح الشبلي، أن الإمارات من الدول التي تبنّت مبكراً مفهوم الحماية الاستباقية في الأمن الرقمي، مشيراً إلى أن وزارة الداخلية توفر منصات وقنوات متخصّصة، من بينها مركز حماية الطفل، الذي يعمل بالشراكة مع الجهات المعنية على إطلاق المبادرات والبرامج الهادفة إلى تعزيز سلامة الأطفال في العالم الرقمي، إضافة إلى توفير أدوات للإبلاغ والتدخل السريع عند وجود أي خطر يهدد الطفل. 

التأثير الخوارزمي  
وعن التأثيرات التقنية المرتبطة باستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، أكد المقدم الشبلي أن المخاطر لم تَعُد تقتصر على «إضاعة الوقت»، كما كان يُعتقد سابقاً، بل أصبحت أكثر عمقاً وتعقيداً، لافتاً إلى أن أبرز هذه التأثيرات يتمثل فيما يُعرف «بالتأثير الخوارزمي». 
وأوضح أن المنصات الرقمية تعتمد على أنظمة ذكية تقوم بتحليل اهتمامات الطفل وسلوكياته الرقمية، ثم تستمر في تزويده بمحتوى مُشابه، بهدف إبقائه أطول فترة ممكنة داخل المنصة، ما قد يقوده تدريجياً نحو محتوى غير مناسب لعمره، أو حتى محتوى عنيف ومُتطرِّف في بعض الحالات.
 وأضاف أن التنمر الإلكتروني يُمثِّل أحد أخطر التحديات النفسية التي تواجه الأطفال والمراهقين اليوم، لأن الإساءة الرقمية ترافق الطفل في كل مكان وعلى مدار الساعة، بخلاف التنمر التقليدي الذي غالباً ما ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي. 
وأشار كذلك إلى وجود مخاطر أمنية متزايدة تشمل الاستدراج الإلكتروني، وسرقة البيانات الشخصية، وانتحال الهوية، والابتزاز الإلكتروني، خاصة مع سهولة مشاركة الصور والمعلومات الشخصية من دون إدراك كامل للعواقب. 
كما لفت إلى أن بعض الألعاب والمنصات تضم غرف دردشة مفتوحة، قد يستغلِّها مجرمون للتواصل مع الأطفال بطرق غير مباشرة. 

الإدمان الرقمي 
وأكد المقدم سعيد الشبلي أن التأثيرات الصحية والنفسية باتت حاضرة بقوة أيضاً، بدءاً من الإدمان الرقمي وضعف التركيز، وصولاً إلى اضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية الناتجة عن الإفراط في الاستخدام، مُشدِّداً على أن السلامة الرقمية أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن المجتمعي الحديث. 
وشدّد نائب مدير إدارة الأمن الرقمي على ضرورة تَحوُّل الأسرة من «مراقب تقليدي» إلى «شريك رقمي واع»، عبر تفعيل أدوات الرقابة الأبوية، وتنظيم أوقات الاستخدام، ومراجعة إعدادات الخصوصية، مع تعزيز الثقة بين الطفل وأسرته حتى يشعر بالأمان عند الإبلاغ عن أي تهديد أو محتوى مريب. 
وأكد الشبلي أن المنصات العالمية بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات لتعزيز سلامة الأطفال، مثل الحسابات المخصصة للأطفال وتقييد الرسائل الخاصة، إلا أن الفجوة لا تزال قائمة بين متطلبات السلامة الرقمية والمصالح التجارية التي تعتمد على زيادة التفاعل ومدة الاستخدام.
وأشار إلى أن التحقق العُمري لا يزال يمثّل تحدياً عالمياً، ما دفع بعض الدول والمنصات إلى تطوير تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية لتعزيز الحماية.

التحدي الأكبر  
وعن أبرز التحديات التي تواجه الأسر اليوم، قال نائب مدير إدارة الأمن الرقمي: إن الطفل أصبح في كثير من الأحيان أكثر إلماماً بالتقنية من والديه، لكنه في المقابل أقل نضجاً في تقدير المخاطر والتعامل معها. 
وأوضح أن الأسرة تواجه بيئة رقمية مفتوحة تضم محتوى غير محدود، وحسابات وهمية وألعاباً تفاعلية، ومنصات تعتمد على التأثير النفسي والسلوكي، إلى جانب تحديات متزايدة تتعلق بالابتزاز والاستدراج والتنمُّر والإدمان والمحتوى غير الأخلاقي.
وأضاف أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، لأن المنع وحده غالباً ما يدفع الطفل إلى الاستخدام السِّري بعيداً عن رقابة الأسرة، مُعتبراً أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في «التوعية الذكية» وبناء مهارات الاستخدام الآمن. 

تمييز المحتوى

أكد المقدم الشبلي، أهمية تعليم الطفل التفكير النقدي، وتمييز المحتوى الحقيقي من المُضلِّل، والتفريق بين الصديق الحقيقي والمحتال الإلكتروني، إلى جانب وضع قواعد أُسرية واضحة تتعلق بوقت الاستخدام، وطبيعة التطبيقات المسموح بها، وآداب التعامل الرقمي. 
وأوضح الشبلي أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في «التوعية الذكية» وبناء مهارات الاستخدام الآمن، مؤكداً أهمية تعليم الطفل التفكير النقدي والتمييز بين المحتوى الحقيقي والمُضلّل. 

ساعات الاستخدام

قال الشبلي: إن تحديد ساعات الاستخدام، وإنشاء منصات مخصَّصة للأطفال، يُمثِّلان اليوم الاتجاه العالمي الأكثر واقعية، لتحقيق التوازن بين الحماية والانفتاح، مُشدِّداً على أن نجاح أي منظومة رقمية آمنة يعتمد على تكامل التشريعات، والمنصات المسؤولة، والأسرة الواعية، والطفل القادر على استخدام التكنولوجيا بوعي ومسؤولية.