هالة الخياط (أبوظبي)

في دولة الإمارات، لم يَعُد تمكين الشباب شعاراً يرتبط بالمناسبات، بل أصبح نهجاً وطنياً راسخاً ومنظومة متكاملة تستهدف إعداد أجيال قادرة على قيادة المستقبل والمشاركة في صناعة القرار وتحويل الأفكار والطموحات إلى مشاريع وإنجازات تخدم المجتمع والاقتصاد والتنمية المستدامة. 
ومع حلول اليوم الدولي للشباب، الذي يصادف 12 أغسطس من كل عام، تبرز التجربة الإماراتية نموذجاً متقدماً في الاستثمار في الإنسان، وإتاحة المساحات أمام الشباب للتعبير عن أفكارهم وتطوير مهاراتهم وتولي مسؤوليات قيادية.
وتستند هذه التجربة إلى رؤية تعتبر الشباب شريكاً أساسياً في التنمية وليس مجرد فئة مستفيدة من البرامج الحكومية، وهو ما انعكس في تأسيس منظومة مؤسّسية متكاملة للشباب، وإطلاق الاستراتيجيات والمجالس والمراكز والبرامج التي تواكب احتياجاتهم وتستشرف مهارات المستقبل.
وتؤكد الأجندة والاستراتيجية الوطنية للشباب هذا التوجه، إذ تستثمر في طاقات الشباب وتعمل على توفير بيئة مواتية لنموّهم وتطورهم وتعزيز مشاركتهم في مختلف المجالات، مع التركيز على مراحل التحول الرئيسية في حياة الشباب بين 15 و35 عاماً.

شراكة في صناعة القرار
ومن أبرز ملامح التجربة الإماراتية الانتقال من مفهوم «دعم الشباب» إلى إشراكهم في صناعة القرار، عبر مجالس الشباب التي أصبحت منصّة مؤسّسية لإيصال أصواتهم إلى المسؤولين والمشاركة في تطوير السياسات والمبادرات.
وتشير المنصّة الرسمية لحكومة الإمارات إلى أن مجالس الشباب تأسّست عام 2017 بهدف ضمان تمثيل وجهات نظر الشباب وتلبية احتياجاتهم في مراحل صناعة القرار الحكومي، ومنحهم فرصة المشاركة في وضع السياسات وتطوير المشاريع وإدارة المبادرات في مختلف إمارات الدولة.
وتُعزّز «الحلقات الشبابية» هذا النهج من خلال توفير حوارات مباشرة بين الشباب والحكومة والقطاع الخاص والخبراء والقادة العالميين، بحيث لا تقتصر المشاركة على الاستماع إلى الشباب، وإنما تمتد إلى مناقشة التحديات والخروج بحلول عملية وأفكار قابلة للتطبيق.
ويعكس هذا النموذج قناعة بأن الشاب الإماراتي يمتلك القدرة على الإسهام في صياغة الحلول الوطنية، وأن إشراكه في مراحل التخطيط وصناعة القرار يرفع مستوى المسؤولية والانتماء ويمنحه الخبرة اللازمة لقيادة المستقبل.

مساحات للإبداع
وفي موازاة المشاركة في القرار، حرصت الإمارات على توفير بيئات حاضنة للمواهب والأفكار من خلال مراكز الشباب، التي تم تصميمها لتكون مساحات عصرية للتعلم والتفاعل والابتكار والعمل المشترك.
وتستقبل هذه المراكز الشباب من عمر 15 إلى 35 عاماً، وتوفر لهم موارد ومرافق وبرامج في مجالات تشمل التعليم والتعلم مدى الحياة، والابتكار وريادة الأعمال، والتوجيه وبناء الشراكات، والصحة والسلامة، إلى جانب دعم فرص العمل والنمو الاقتصادي. وتضم الدولة حالياً 13 مركزاً شبابياً، صُمم كل منها بما يتناسب مع احتياجات الشباب في الإمارة التي يوجد فيها.
وتتوسّع هذه البيئة من خلال مبادرة «مساحات شبابية» التي تتيح إنشاء مساحات داخل الجهات والمؤسّسات الحكومية، بما يقرّب الشباب من مواقع العمل وصناعة القرار، ويمنحهم بيئة تساعد على تطوير أفكارهم ومهاراتهم.
وفي عام 2026، اعتمدت الدولة أول مساحة شبابية في «مدار 39» بأبوظبي، كما اعتمدت أول مساحة شبابية في الفجيرة ضمن جهة حكومية، في إطار مبادرات الأجندة الوطنية للشباب 2031.

مهارات المستقبل
ولا يقتصر الاستثمار الإماراتي في الشباب على التعليم الأكاديمي، بل يمتد إلى تزويدهم بالمهارات التي يحتاجها اقتصاد المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال والاستدامة.
وفي هذا السياق، أطلقت المؤسّسة الاتحادية للشباب في يوليو 2026 «برنامج الجاهزية الوطني – غطاريف»، وهو برنامج يمتد 11 شهراً ويستهدف خريجي المرحلة الثانوية الإماراتيين، بهدف الانتقال بهم من التعليم المدرسي إلى مراحل التعليم العالي أو العمل أو الحياة الأسرية، عبر الجمع بين المعرفة النظرية والتدريب المتخصّص والخبرة العملية.
ويركّز البرنامج على ثلاثة مسارات رئيسية، هي الدفاع والحماية والذكاء الاصطناعي، والصحة والرعاية، والاستدامة والخدمات الحيوية، مع مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأمن الغذائي والعلوم الصحية والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. كما يتضمن التدريب العملي في بيئات مهنية حقيقية، وشهادات مهنية معتمدة، وفرصاً لدعم المشاريع والمسارات المستقبلية للمتميزين.
ويعكس البرنامج توجُّهاً متقدماً في إعداد الشباب، يقوم على الربط بين المعرفة والمهارة والقيم والخبرة العملية، بما يجعلهم أكثر قدرة على اختيار مساراتهم التعليمية والمهنية بثقة.

ريادة الأعمال
وتحتل ريادة الأعمال موقعاً محورياً في منظومة تمكين الشباب الإماراتي، في ظل توجُّه الدولة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وتستهدف الأجندة الوطنية لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة جعل الإمارات موطناً لريادة الأعمال بحلول عام 2031، من خلال سبعة محاور تشمل سهولة ممارسة الأعمال والابتكار ودعم الأعمال والتحول الرقمي والتمويل ورأس المال البشري وزيادة الطلب، وتتضمن 29 مبادرة. وفي عام 2026، أطلقت الإمارات مجلس شباب الإمارات لريادة الأعمال لتعزيز مساهمة الشباب في التنمية الاقتصادية وتنافسية ريادة الأعمال الوطنية، إلى جانب برنامج «المستشارين الماليين الشباب»، الذي يستهدف تأهيل الشباب الإماراتي ليكونوا مستشارين ماليين قادرين على نشر الثقافة المالية وتعزيز القرارات المتعلقة بالادخار والاستثمار. كما يرسّخ برنامج «نافس» حضور الشباب الإماراتي في القطاع الخاص، من خلال التدريب والتأهيل والدعم الوظيفي وريادة الأعمال. ووفق البيانات الرسمية، ارتفع عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص من نحو 29 ألفاً قبل أربع سنوات إلى أكثر من 176 ألفاً يعملون لدى أكثر من 32 ألف شركة.

العمل الإنساني
ويمتد حضور الشباب الإماراتي إلى المجال الإنساني، بما يعكس ارتباط التمكين بالمسؤولية المجتمعية. وفي عام 2025، أطلق مجلس الشؤون الإنسانية الدولية، بالتعاون مع المؤسّسة الاتحادية للشباب، مجلس شباب الإمارات للعمل الإنساني، بهدف تمكين الشباب من الإسهام بصورة فاعلة في تحقيق أهداف التنمية الدولية المستدامة. كما استضافت الإمارات الاجتماع العربي للقيادات الشابة ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات، لبحث سبل تحويل التحديات التي تواجه المنطقة إلى فرص، وتعزيز حضور الشباب في صناعة القرار وإعداد السياسات. 
وهكذا، فإن تجربة الإمارات في دعم الشباب لا تقوم على مبادرة منفردة، وإنما على منظومة تبدأ بالتعليم والتأهيل، وتصل إلى القيادة وصناعة القرار.
وفي اليوم الدولي للشباب، تبدو الرسالة الإماراتية واضحة: الاستثمار في الشباب هو استثمار في قدرة الدولة على الاستمرار والتجدد، وأن بناء المستقبل يبدأ بمنح الأجيال الجديدة الثقة والمساحة والأدوات التي تمكّنها من أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة هذا المستقبل. وبينما تتسارع التحولات العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والاستدامة والاقتصاد الرقمي، تواصل الإمارات بناء جيل لا يكتفي بمواكبة المستقبل، بل يمتلك الأدوات اللازمة لصناعته، جيل يجمع بين المعرفة والمهارة والقيم والمسؤولية، ويضع طاقاته في خدمة وطنه ومجتمعه، ويعكس في مسيرته نموذجاً إماراتياً يقوم على أن الشباب ليسوا قادة الغد فقط، بل شركاء اليوم وصنّاع الإنجاز الوطني.

الاستثمار بالشباب
يشغل أكثر من 600 شاب وشابة مناصب قيادية في مختلف الجهات الحكومية الاتحادية، بما يؤكد أن الاستثمار في الشباب في الإمارات يترجم إلى فرص حقيقية لتولي المسؤولية.
كما تتوسّع مساحات المشاركة داخل الجهات الحكومية، إذ شهدت وزارة الداخلية في 2026 افتتاح أول مساحة شبابية على مستوى الحكومة الاتحادية، بهدف تعزيز مشاركة الشباب في صناعة القرار واستشراف المستقبل، وتوفير بيئة محفّزة للابتكار والتفكير الإبداعي وتبادل الأفكار وتطوير المبادرات والمشاريع الحكومية.