هالة الخياط (أبوظبي)

في عالم تتسع فيه رقعة الأزمات الإنسانية، وتتداخل فيه تداعيات الحروب والنزاعات مع الكوارث الطبيعية والأزمات الغذائية والنزوح القسري، تواصل دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حضورها الفاعل في المشهد الإنساني الدولي، من خلال منظومة تجمع بين الاستجابة العاجلة وإنقاذ الأرواح، وتوفير الغذاء والمياه والمأوى، ودعم الخدمات الصحية، وإغاثة اللاجئين والنازحين، وصولاً إلى دعم التعافي وإعادة بناء المجتمعات المتضررة.
وتتزامن هذه الجهود مع اليوم العالمي للعمل الإنساني الذي يصادف 19 أغسطس من كل عام، والذي يمثل مناسبة لتكريم العاملين في المجال الإنساني، والتأكيد على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين في مناطق النزاعات والكوارث.

وتظهر مكانة الإمارات في منظومة العمل الإنساني العالمي في تصنيف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي أظهر أن الدولة جاءت في المرتبة الثالثة عالمياً بين أكبر مانحي المساعدات الإنسانية في 2025، بمساهمات بلغت 1.46 مليار دولار، بما يعادل 7.2% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي سجلتها الأمم المتحدة والبالغة 20.28 مليار دولار.
ولم يقتصر الدعم الإماراتي على المساعدات الثنائية، إذ أعلنت الدولة في ديسمبر 2025 تخصيص 550 مليون دولار لدعم النداء الإنساني العالمي للأمم المتحدة لعام 2026، الذي يستهدف جمع 33 مليار دولار لمساعدة نحو 135 مليون شخص ضمن العمليات الإنسانية العالمية.

غزة.. استجابة إنسانية متواصلة
وتأتي الاستجابة الإماراتية للأزمة الإنسانية في قطاع غزة في مقدمة الجهود التي تعكس هذا النهج، من خلال عملية «الفارس الشهم 3» التي أطلقت في 5 نوفمبر 2023، واستمرت على مدى ألف يوم في تقديم المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية. وتجاوزت قيمة المساعدات التي قدمتها «الفارس الشهم» 3.89 مليار دولار، فيما تجاوز إجمالي المساعدات 126 ألف طن من المواد الإغاثية والطبية والغذائية.
ونقلت هذه المساعدات إلى القطاع عبر أكثر من 770 رحلة جوية، و25 سفينة، وأكثر من 13 ألف شاحنة، بما يعكس تعدد مسارات الإمداد التي اعتمدتها الإمارات لضمان استمرار وصول المساعدات إلى السكان رغم التحديات اللوجستية والإنسانية. وفي المناطق التي تعذر الوصول إليها براً، نفذت الإمارات 81 عملية إنزال جوي ضمن مبادرة «طيور الخير»، نقلت خلالها أكثر من 4 آلاف طن من المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر احتياجاً.

الصحة في صدارة الأولويات
وشكل القطاع الصحي أحد المحاور الرئيسية للعملية، من خلال المستشفى الميداني الإماراتي في غزة والمراكز الطبية التابعة له، إضافة إلى المستشفى الإماراتي العائم في مدينة العريش المصرية.
وبحسب أحدث حصيلة رسمية، قدمت هذه المنشآت مجتمعة العلاج لأكثر من 230 ألف مريض، وشملت الخدمات العمليات الجراحية والرعاية المتخصصة وإعادة التأهيل، إلى جانب دعم قدرات القطاع الصحي. ولم تقتصر الاستجابة الصحية على علاج المصابين داخل المنطقة، وإنما شملت أيضاً إجلاء مرضى وجرحى فلسطينيين إلى دولة الإمارات لتلقي العلاج، إلى جانب برامج متخصصة لإعادة التأهيل وتركيب الأطراف الصناعية.
ومن أبرز هذه المبادرات برنامج «خطوة أمل» الذي يركز على تصنيع وتركيب الأطراف الصناعية وتوفير خدمات التأهيل لمبتوري الأطراف، بما يساعد المصابين على استعادة الحركة وتحسين نوعية حياتهم.

الغذاء والمياه والإيواء
تجاوزت الاستجابة الإماراتية مفهوم المساعدات الطارئة لتشمل مشاريع توفر احتياجات أساسية بصورة أكثر استدامة، وفي مقدمتها تعزيز الأمن الغذائي وتوفير الخبز والمياه الصالحة للشرب.
وشملت المبادرات تشغيل مخابز آلية وتوفير المواد الغذائية، إلى جانب إنشاء وتشغيل محطات لتحلية المياه وشبكات لتوزيعها، بما يخفف من آثار تضرر البنية الأساسية للمياه في القطاع.

من الحروب إلى الكوارث الطبيعية

ولا يقتصر العمل الإنساني الإماراتي على مناطق النزاعات، إذ تمتد الاستجابة إلى ضحايا الزلازل والفيضانات والأعاصير والكوارث الطبيعية، من خلال إرسال المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء والمياه، ودعم عمليات الإنقاذ والتعافي.
وتساعد البنية اللوجستية التي تمتلكها الدولة، على سرعة الاستجابة ونقل الإمدادات إلى مناطق الأزمات، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للدولة وشبكات النقل الجوي والبحري.
وتعكس هذه الاستجابة فلسفة تقوم على أن المساعدة الإنسانية لا ينبغي أن تتوقف عند اللحظة الأولى للكارثة، وإنما يجب أن تمتد إلى دعم المجتمعات المتضررة في مراحل التعافي وإعادة بناء الخدمات الأساسية. ويستند هذا النهج إلى إرث إنساني أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جعل مساعدة الإنسان جزءاً من هوية الدولة ومسيرتها الخارجية.
ووفقا للإحصائيات الرسمية، قدمت الإمارات بين عامي 1971 و2004 نحو 90.5 مليار درهم من المساعدات الإنسانية والتنموية للدول حول العالم، فيما واصلت الدولة هذا النهج من خلال مؤسساتها وبرامجها الإنسانية والتنموية. 
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تبدو الأرقام انعكاساً لمنظومة تتجاوز تقديم المساعدات إلى حماية الإنسان وصون كرامته، من شحنة غذائية تصل إلى أسرة نازحة، ومستشفى يعالج جريحاً، ومحطة تحلية توفر المياه، وطائرة تنقل مريضاً إلى العلاج، إلى وساطة تعيد أسيراً إلى أسرته.
وهكذا يتكامل العمل الإنساني الإماراتي ليؤكد أن حماية الإنسان وتخفيف معاناته تمثلان محوراً ثابتاً في السياسة الإنسانية لدولة الإمارات.

السودان دعم إنساني واسع

ويمثل السودان محوراً رئيسياً آخر للعمل الإنساني الإماراتي، في ظل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وما نتج عنها من نزوح واسع وأزمة غذائية وصحية وإنسانية.
وبلغ إجمالي المساعدات الإنسانية الإماراتية للسودان منذ اندلاع الأزمة نحو 800 مليون دولار، فيما تجاوز إجمالي المساعدات التي قدمتها الدولة للشعب السوداني خلال السنوات العشر الماضية 4.24 مليار دولار.
وتشمل الاستجابة الإماراتية الغذاء والمياه والصحة والإيواء، إلى جانب دعم اللاجئين السودانيين في الدول المجاورة، في إطار جهود تخفيف آثار النزوح وتوفير الخدمات الأساسية للمتضررين. 

أوكرانيا الإغاثة والوساطة

وفي الأزمة الروسية الأوكرانية، يجمع الدور الإماراتي بين المساعدات الإنسانية والدبلوماسية والوساطة.
فقد قدمت الإمارات منذ بداية الأزمة أكثر من 105 ملايين دولار للمساعدات الإنسانية في أوكرانيا، وأرسلت أكثر من 1015 طناً من المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية، إضافة إلى 50 سيارة إسعاف وأكثر من 4500 مولد كهربائي وشحنات إغاثية بحرية.
وفي يونيو الماضي، أعلنت دولة الإمارات أنها نجحت في 25 جولة من عمليات تبادل الأسرى، ليصل إجمالي الأسرى الذين تم تبادلهم من خلال الوساطة الإماراتية إلى 7791 أسيراً. كما استضافت أبوظبي جولتين من المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا في يناير وفبراير 2026.