أبوظبي (الاتحاد)

تواصل الإمارات، برؤية صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ترسيخ مكانتها الرائدة في حماية الحياة الفطرية وصون التوازن البيئي، عبر منظومة متكاملة من المؤسّسات والمبادرات التي تجمع بين الحفاظ على الموروث الوطني، والالتزام بالمعايير العلمية والبيئية الحديثة.
وتستند هذه الجهود إلى النّهج الذي أرساه الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، والذي جعل من حماية البيئة والحياة الفطرية ركناً أساسياً في مسيرة الدولة، ولهذا أُسس برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور، بهدف إعادة الصقور البرية إلى موائلها الطبيعية وتعزيز دورها في الحفاظ على التوازن البيئي، في تجسيد عملي لفكرة أن صون التراث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية البيئة التي نشأ منها.
ومنذ تأسيسه عام 1995، نجح البرنامج في إطلاق أكثر من 2.400 صقر من نوعي الحر والشاهين في مواطنها الطبيعية بآسيا الوسطى وعلى مسارات هجرة صقور الشاهين إلى سيبيريا، في إنجاز يعكس التزام الإمارات بحماية الحياة الفطرية وتطوير ممارسات الصقارة لتصبح أكثر استدامة ومسؤولية.
ولا تقتصر جهود الدولة على إعادة إطلاق الصقور إلى البرية، بل تشمل أيضاً دعم برامج الإكثار في الأسر وتشجيع استخدامها في الصيد المستدام، بما يحدّ من الضغط على الصقور البرية ويحافظ على استمرارية الصقارة بوصفها تراثاً إنسانياً قائماً على الوعي والمسؤولية.

وفي هذا السياق، أسّس صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، «صندوق محمد بن زايد للمحافظة على الطيور الجارحة»، الذي يؤدي دوراً محورياً في حماية هذه الطيور وموائلها الطبيعية. وأسهم الصندوق بمنغوليا في إنتاج آلاف الصقور وحمايتها سنوياً من خلال مشروع الأعشاش الاصطناعية الذي ينتج من 2.000 إلى 3.000 صقر كل عام، إلى جانب مبادرات أخرى أسهمت في حماية نحو 18.000 طائر جارح سنوياً، من بينها 4.000 صقر حُر من خلال حمايتها من الصعق الكهربائي على خطوط نقل الطاقة الكهربائية.
وأسهمت رؤية سموّه في تطوير الصقارة من ممارسة تراثية إلى نموذج مستدام يوازن بين الحفاظ على الموروث وصون البيئة. وترتكز هذه الرؤية على التوعية والتعليم، والاعتماد على الصقور المتكاثرة في الأسر، وتنظيم تداولها وفق ضوابط علمية وصحية تضمن حماية الكائنات واستدامة الممارسة. وجاءت مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء، لتكون منصة تعليمية وتراثية تنقل معارف الصقارة وقيمها إلى الأجيال الجديدة، وتُعزّز لديهم مفاهيم احترام البيئة والتوازن مع الحياة الفطرية. 
ويُعد الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى نموذجاً آخر لهذه الرؤية، إذ أصبح من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في إكثار الحبارى وحمايتها، مع إنتاج سنوي يقترب من 100.000 طائر، ما يدعم برامج الإطلاق في البرية ويسهم في تعزيز التوازن البيئي وممارسات الصيد المستدام.
وقال معالي محمد أحمد البواردي، نائب رئيس مجلس إدارة هيئة البيئة – أبوظبي وصندوق محمد بن زايد للمحافظة على الطيور الجارحة: «يجسّد البرنامج رسالة حضارية تؤكد أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على الاحتفاء به فحسب، بل يشمل أيضاً تطويره بما ينسجم مع القيم البيئية والأخلاقية، ويرسّخ مفهوم المسؤولية تجاه الطبيعة، ويقدم نموذجاً إماراتياً يجمع بين صون الموروث وحماية الحياة البرية وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
وشهدت جمهورية كازاخستان هذا العام استمرار تنفيذ البرنامج للسنة الـ 18 على التوالي، حيث أطلق 49 صقراً من صقور الحر والشاهين في مناطق طبيعية متنوعة تضم السهول والمرتفعات، ضمن موائل صقور الحر وعلى مسارات الهجرة الموسمية لصقور الشاهين المتجهة إلى سيبيريا.
وزوِّد عشرون صقراً بأجهزة تتبّع عبر الأقمار الصناعية، شملت نماذج أثبتت كفاءتها في السنوات السابقة وأخرى حديثة أخف وزناً، بهدف جمع بيانات علمية دقيقة حول معدلات البقاء والانتشار ومسارات الهجرة، بما يسهم في تطوير برامج التأهيل والإطلاق.
وزُودت جميع الصقور بشرائح إلكترونية وحلقات تعريفية تتيح متابعتها وفق أعلى المعايير العلمية.
ويعكس هذا البرنامج رؤية شاملة تتجاوز حماية الصقور والحبارى إلى ترسيخ مفهوم الصقارة بوصفها رسالة حضارية تجمع بين احترام الطبيعة والحفاظ على التنوع البيولوجي واستدامة الحياة الفطرية.
ويؤكد نهج دولة الإمارات أن الصقارة ليست مجرد إرث متوارث، بل عهدٌ متجدّد بين الإنسان والطبيعة، يقوم على التوازن والمسؤولية، ويجسّد التزاماً بحماية الحياة الفطرية وصونها للأجيال المقبلة.