سامي عبدالرؤوف (دبي) 

أكدت رانيا دقش-كمارا، المديرة التنفيذية المساعدة لشؤون الشراكات والابتكار في برنامج الأغذية العالمي، أن دولة الإمارات تعد من أبرز شركاء البرنامج عالمياً، مشيرة إلى أن الشراكة بين الجانبين تتجاوز الدعم المالي لتشمل الخدمات اللوجستية، وتطوير الممرات الإنسانية، والمساهمة في تحديد أولويات العمل لمواجهة الجوع، إلى جانب الاستثمار في إعداد جيل جديد من القيادات الإماراتية الشابة في المجال الإنساني.

وقالت المديرة التنفيذية المساعدة لشؤون الشراكات والابتكار في برنامج الأغذية العالمي، في تصريحات خاصة لـ«الاتحاد»، إن الإمارات قدمت خلال السنوات الخمس الماضية نحو 370 مليون دولار، أي ما يزيد على مليار درهم، لدعم عمليات برنامج الأغذية العالمي، استفادت منها 15 عملية إنسانية في مناطق مختلفة من العالم، موضحة أن هذه العمليات امتدت إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، فيما توسعت الشراكات حاليا لتشمل أميركا اللاتينية.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية متزايدة في ظل اتساع نطاق الاحتياجات الإنسانية عالمياً، إذ يواجه نحو 266 مليون شخص مستويات حادة من الجوع، بينما تتزايد الاحتياجات بوتيرة تفوق التمويل المتاح، حيث يستهدف البرنامج مساعدة 110 ملايين شخص من الفئات الأكثر هشاشة خلال عام 2026، شريطة توفر التمويل اللازم.
وأضافت دقش-كمارا: «برنامج الأغذية العالمي يساعد نحو 110 ملايين شخص في 2026، ونستطيع الوصول إلى عدد أكبر إذا توفر التمويل اللازم»، مشددة على أن هذا الواقع يجعل بناء شراكات قوية ومستدامة ضرورة لمواصلة الوصول إلى المحتاجين.
وتابعت: «في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية حول العالم، تزداد أهمية الشراكات القوية، وتسهم الإمارات من خلال دورها الإنساني الراسخ في تمكين البرنامج من الوصول إلى المزيد من المحتاجين».

مركز لوجستي عالمي
وأكدت دقش-كمارا أن أهمية الإمارات بالنسبة إلى برنامج الأغذية العالمي لا تقتصر على التمويل، إذ تستضيف دبي أكبر مركز لوجستي إنساني تابع لشبكة مستودعات الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية، مما يعزز قدرة البرنامج على إيصال المساعدات بسرعة إلى مناطق الأزمات. وأوضحت أن «دبي بالنسبة لنا أكبر مركز لوجستي حالياً»، مشيرة إلى أن وجود هذه المنظومة يساعد برنامج الأغذية العالمي على الوصول بسرعة إلى نحو ثلثي مناطق الأزمات حول العالم.
وأضافت: تلعب الإمارات دوراً مهماً كذلك في تطوير ممرات بديلة لإيصال المساعدات الإنسانية، وهو ما يعزز مرونة العمليات وقدرتها على الاستمرار في ظل الأزمات وتعطل طرق الإمداد التقليدية.
أشارت إلى أن أهمية هذه الممرات لا تقتصر على برنامج الأغذية العالمي، بل تمتد إلى المجتمع الإنساني الدولي بصورة أوسع، في ظل الاعتماد المتزايد على القدرات اللوجستية.

فجوة تمويلية 
وتأتي هذه الشراكة في وقت يواجه فيه البرنامج تحديات تمويلية متزايدة، إذ تبلغ فجوة التمويل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية نحو 78% خلال الأشهر الـ6 المقبلة، وتتركز أكبر الفجوات في فلسطين ولبنان وأوكرانيا وسوريا واليمن. وتظهر غزة حجم التحدي، حيث يعاني نحو 1.4 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يصل برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 1.5 مليون شخص شهرياً بالمساعدات الغذائية والنقدية والتغذوية. لكن نقص التمويل وصعوبة الوصول يهددان استمرارية هذه المساعدات، في ظل فجوة تمويلية تبلغ 426 مليون دولار خلال الأشهر الـ6 المقبلة. وفي أوكرانيا، يحتاج 10.8 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، فيما يقدم البرنامج مساعدات غذائية ونقدية لنحو 600 ألف شخص شهرياً في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، إلى جانب دعم الوجبات المدرسية لأكثر من 275 ألف طفل. ويحتاج البرنامج إلى 234 مليون دولار لعملياته هناك خلال الأشهر الـ6 المقبلة.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب البرنامج، حجم الضغوط التي تواجه منظومة العمل الإنساني، حيث يمكن أن يؤدي نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى تعريض المساعدات التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص للخطر.

كفاءات إماراتية
وقالت: «نفتخر بالتعاون مع الإمارات في إعداد الجيل القادم من القادة الإنسانيين»، مشيرة إلى وجود نحو عشرة من الشباب الإماراتيين ضمن برامج إعداد القيادات الإنسانية لدى البرنامج».

 

استثمر في الاستقرار

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن اتساع رقعة النزاعات وطول أمدها وتشابك الأزمات يدفع الجوع إلى الانتشار بوتيرة أسرع من جهود التعافي وإعادة البناء، مما يجعل العمل الإنساني ليس مجرد استجابة للمعاناة، وإنما استثمار في الاستقرار ومنعاً لتحول أزمات اليوم إلى كوارث أكبر في المستقبل. وفي هذا السياق، أعربت دقش-كمارا عن تقدير البرنامج لدولة الإمارات على مساهماتها في المجال الإنساني، مؤكدة أن الشراكة بين الجانبين تقدم نموذجا متكاملا يجمع بين التمويل، والقدرات اللوجستية، وتطوير ممرات وصول المساعدات، والمشاركة في تحديد الأولويات، والاستثمار في القيادات الشابة. وتكتسب هذه الشراكة أهمية أكبر مع استمرار ارتفاع الاحتياجات الإنسانية عالمياً، في وقت يؤكد فيه برنامج الأغذية العالمي أن «الجوع ليس أمراً حتمياً»، وأن منع تفاقمه يتطلب تحرك المجتمع الدولي في الوقت المناسب قبل أن تتحول أزمات اليوم إلى كوارث الغد.

منصة للعمل الإنساني

وتتجاوز أهمية الإمارات دورها كمركز لوجستي، إذ يشير برنامج الأغذية العالمي إلى مكانتها كمنصة عالمية تجمع القيادات الإنسانية والحكومية والاقتصادية.
كما توفر الفعاليات الإنسانية الدولية التي تستضيفها الإمارات فرصة للجمع بين الحكومات والمنظمات الإنسانية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص، بهدف بناء منظومة إنسانية أكثر مرونة واستدامة وفاعلية في مواجهة الأزمات المستقبلية.

تحديد الأولويات

ولفتت دقش-كمارا إلى انضمام دولة الإمارات إلى المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، معتبرة أن هذه الخطوة تنقل التعاون إلى مستوى جديد وتوسع مساهمة الدولة في تحديد أولويات البرنامج وتوجهاته المستقبلية.
وقالت: «انضمام الإمارات إلى المجلس التنفيذي خطوة تعزز الشراكة بين الجانبين، وتزيد من مساهمتها في تحديد أولويات البرنامج وتوجهاته المستقبلية في مكافحة الجوع».