هالة الخياط (أبوظبي)

تستضيف دولة الإمارات، بالشراكة مع جمهورية السنغال، مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر المقبل في مركز أدنيك أبوظبي، في حدث أممي يستهدف تسريع الجهود الدولية لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها بصورة مستدامة.

وأكد عبدالله بالعلاء، مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة والاستدامة، أن استضافة الإمارات لهذا الحدث تأتي انطلاقاً من إدراكها أن المياه لم تَعُد قضية بيئية أو تنموية منفصلة، بل قضية تتقاطع بصورة مباشرة مع الاقتصاد والأمن والطاقة والغذاء والصحة والاستقرار ومستقبل المجتمعات.
وقال خلال إحاطة إعلامية أمس لتسليط الضوء على المؤتمر: يطمح مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 إلى أن يكون محطة فارقة في مسار العمل العالمي بشأن المياه، وأن ينتقل بالمناقشات من الطموح إلى العمل، عبر جمع الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية والمجتمع المدني والخبراء والمبتكرين حول حلول وشراكات قابلة للتنفيذ.

تحدٍّ عالمي 
وأشار بالعلاء إلى أن العالم لا يزال بعيداً عن المسار المطلوب لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، رغم بقاء أقل من خمس سنوات على موعد تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030.
وتشير البيانات التي استعرضتها الإحاطة إلى أن 2.1 مليار شخص حول العالم لا يحصلون على خدمات مياه شرب آمنة وموثوقة، و3.4 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات صرف صحي آمنة وملائمة، فيما يفتقر 1.7 مليار شخص إلى خدمات النظافة الأساسية في منازلهم.
كما تقضي النساء والفتيات حول العالم ما يقارب 250 مليون ساعة يومياً في جمع المياه، وهو وقت كان من الممكن استثماره في التعليم واكتساب المهارات والمشاركة في سوق العمل.
وأوضح بالعلاء أن هذه الأرقام تفرض تسريع وتيرة العمل الدولي، مؤكداً أن قضية المياه تتجاوز حدود قطاع بعينه، لما لها من ارتباط مباشر بالأمن الغذائي وأمن الطاقة والصحة العامة وسلاسل الإمداد واستمرارية الأعمال وفرص العمل والنمو الاقتصادي.

المياه «الخيط غير المرئي» للاقتصاد
ووصف بالعلاء المياه بأنها «الخيط غير المرئي الذي يربط الاقتصاد»، موضحاً أنها قد لا تظهر دائماً كبند مستقل في الميزانيات، لكنها تُمثل دعامة أساسية للتنمية والنشاط الاقتصادي، وتربط بين الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية.
ولفت إلى أن الغذاء يبدأ بالمياه، وأن القطاع الزراعي يستحوذ وحده على نحو 72% من إجمالي عمليات سحب المياه العذبة عالمياً، فيما ترتبط المياه والطاقة بعلاقة متبادلة، فإنتاج المياه ومعالجتها ونقلها وتأمينها يحتاج إلى الطاقة، كما يحتاج إنتاج الطاقة بدوره إلى المياه.
وأضاف: تضع الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، المياه أيضاً في قلب مستقبل التكنولوجيا، في ظل احتياجات مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية إلى المياه والطاقة، ما يجعل الاستخدام المسؤول للمياه عاملاً أساسياً في بناء مستقبل تكنولوجي مستدام.

أول مؤتمر تقوده دولتان من الجنوب العالمي
وأكد بالعلاء أن مؤتمر 2026 سيكون أول مؤتمر للأمم المتحدة للمياه تقوده دولتان من دول الجنوب العالمي، إذ تقدم الإمارات والسنغال رؤيتين مختلفتين من حيث التجربة والظروف، لكنهما متكاملتان في التعامل مع تحديات المياه.
وأوضح أن الإمارات تقدم خبراتها في الابتكار وإدارة الموارد والتعامل مع الندرة، فيما تقدم السنغال خبراتها في مجالات إتاحة المياه وخدمات الصرف الصحي والمياه النظيفة.
وأشار إلى أن دولة الإمارات تدرك تحديات ندرة المياه بحكم بيئتها الجافة، وهو ما جعل الابتكار وحُسن إدارة الموارد جزءاً أساسياً من تجربتها التنموية، بدءاً من تطوير تقنيات تحلية المياه، وصولاً إلى منظومة حديثة تشمل إعادة استخدام المياه، والتخزين الاستراتيجي، وإدارة المياه الجوفية، والزراعة الملحية والمعالجة المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

6 حوارات تفاعلية 
ويشكّل المسار الرسمي للمؤتمر، الذي يعقد في المنطقة الزرقاء المعتمدة من الأمم المتحدة، إحدى القنوات الرئيسية لمناقشة الأفكار وابتكار الحلول بصورة مشتركة.
ويتضمن المؤتمر 6 حوارات تفاعلية تعكس الأبعاد المتعددة لقضية المياه، تشمل خمسة مسارات تتناول: المياه من أجل الناس، والمياه من أجل الازدهار، والمياه من أجل الكوكب، والمياه من أجل التعاون، والمياه في العمليات متعددة الأطراف.
ويضاف إليها للمرة الأولى حوار تفاعلي سادس بعنوان «الاستثمار في المياه»، انطلاقاً من أن أي نقاش حول تنفيذ الحلول لا يمكن أن يكتمل من دون معالجة كيفية تمويلها.
وأوضح بالعلاء أن إدراج الاستثمار يعكس إدراكاً عالمياً متزايداً بأن التمويل عنصر أساسي لتوسيع نطاق حلول المياه، في وقت تُقدر فيه فجوة التمويل العالمية اللازمة لتلبية احتياجات البنية التحتية للمياه وتحقيق الهدف السادس للتنمية المستدامة بنحو 6.7 تريليون دولار.

الاقتصاد الأزرق 

وفي إطار جهود دولة الإمارات لتهيئة الظروف التي تجعل مشاريع المياه جاذبة للاستثمار، يبرز التزام بنك أبوظبي الأول بتعبئة 100 مليار درهم لتمويل المشاريع المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، بما يمثّل إشارة مهمة إلى مجتمع المال والأعمال على المستويين المحلي والدولي.
ويقدم البنك نموذجاً لدور المؤسسات المالية الإقليمية الكبرى في دمج الفرص والمخاطر المرتبطة بالمياه ضمن قرارات التمويل الرئيسية، بما يسهم في حشد مصادر مختلفة لرأس المال وإيجاد مسارات تنقل احتياجات المياه من مجرد احتياجات إلى مشاريع جاذبة للاستثمار.

 

«الواحة».. مساحة للحلول 

ومن أبرز العناصر التي ستتميز بها استضافة أبوظبي للمؤتمر إطلاق «الواحة»، وهي مساحة تستضيفها دولة الإمارات لتوسيع دائرة الحوار والتفاعل وبناء الروابط، وتكمل المسار الرسمي للمؤتمر.
وأوضح بالعلاء أن فكرة «الواحة» مستوحاة من البيئة المحلية لدولة الإمارات، حيث تُمثل الواحة تقليدياً مكاناً خصباً في الصحراء تصل إليه المياه العذبة من مصادر جوفية، فتدعم استدامة الحياة للإنسان والبيئة.
وقال: المؤتمر سيجسّد هذه الفكرة على أرض الواقع، لتصبح «الواحة» مكاناً يجمع قضايا المياه والناس والابتكارات والأفكار والحلول، ويوفر مساحة للتواصل والتعاون المشترك وخلق إمكانات جديدة.

تحويل الالتزامات إلى نتائج 

وأكد بالعلاء أن الاستعداد للمؤتمر استغرق عامين من المشاورات المكثّفة مع الدول الأعضاء والشركاء والمجتمع المدني والمؤسسات متعددة الأطراف والقطاع الخاص والمجتمع المالي والخبراء، بهدف تطوير مسارات عمل جديدة وتشجيع المشاركين على القدوم إلى أبوظبي بالتزامات وحلول جديدة.
ولفت إلى أنه مع اقتراب ديسمبر، تتواصل الجهود لتعزيز الزخم وتحفيز الخبراء والمستثمرين وصناع السياسات والمبتكرين والعقول الشابة على المشاركة، على أن تتواصل التحضيرات خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال سبتمبر الجاري. وشدّد على أن التحدي لم يَعُد في نقص النقاشات المتعلقة بالمياه، وإنما في ربط الحلول بالسياسات والتمويل والمؤسسات والشراكات القادرة على نقلها من الأفكار والمشاريع التجريبية إلى التنفيذ على نطاق واسع.
وقال: الهدف من مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المنعقد، الذي ستستضيفه أبوظبي، هو تحويل الزخم العالمي المتنامي حول المياه إلى شراكات والتزامات عملية، بما يجعل المؤتمر محطة دولية للانتقال من الحوار إلى التنفيذ، وتسريع التقدم نحو توفير المياه والصرف الصحي بصورة مستدامة للجميع بحلول عام 2030.