طه حسيب (أبوظبي)

أكد معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، في كلمته ببداية فعاليات اليوم الثاني من منتدى هيلي، أن رؤية الإمارات للنمو واستراتيجيتها لتحقيق الازدهار على المدى الطويل لم تتغيرا، وستواصل تطوير شبكة شركائها في التجارة والاستثمار حول العالم، وتواصل الاستثمار في التكنولوجيا والصناعات التي تنتمي إلى المستقبل، وتستمر في تسريع التحول في مجال الطاقة في الداخل والخارج، وتواصل ضمان تدفق رؤوس الأموال والتجارة العالمية عبر أسواقها.

وقال الزيودي: «ما تغير، على الأقل في الأمد القريب، هو كيفية الوصول إلى هذه الأهداف. ومنذ إغلاق مضيق هرمز، عملنا على الحفاظ على طرق التجارة الحيوية من وإلى الدولة، وقمنا بتفعيل ممرات لوجستية إقليمية تربط الخليج العربي بالبحر الأحمر وخليج عُمان، كما عملنا مع المسؤولين في سلطنة عُمان لمعالجة الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة عبر ميناءي صحار والدقم، وسرّعنا خدمات الطرق والسكك الحديدية والنقل البري للاستفادة من نقل الشحنات عبر البر. وبالتوازي، سرّعنا تطوير موانئنا على الساحل الشرقي، خورفكان والفجيرة، وكذلك دبا، كما دخلنا في تشغيل خطوط أنابيب جديدة لربط مواردنا من الطاقة بالأسواق العالمية».

وأوضح الزيودي أنه لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على تفعيل ممرات تجارية جديدة متعددة بهذا الحجم وبهذه السرعة، وهذه ليست حلولاً مؤقتة، بل هي الآن تحولات دائمة في تموضعنا الاستراتيجي. وأضاف: لا يمكن السماح لأي نقطة اختناق واحدة بأن تهدد قدرتنا على الاستمرار الاقتصادي.
وقال الزيودي: نتائج التجارة خلال النصف الأول من عام 2026 تؤكد نجاح استراتيجيتنا. فقد بلغت تجارتنا الخارجية غير النفطية خلال النصف الأول من عام 2026 مستوى قياسياً قدره 1.94 تريليون درهم. ويمثل ذلك نمواً سنوياً بنسبة 13.1%، ويزيد بنحو 80% تقريباً عما سجلناه في النصف الأول من عام 2022. كما سجلت صادراتنا غير النفطية أعلى مستوى لها على الإطلاق، حيث بلغت 453 مليار درهم.
وهذا يؤكد ليس فقط جودة منتجاتنا وقدرتها التنافسية، بل أيضاً قوة ممراتنا التجارية المتنوعة.
وأشار الزيودي إلى أن الإمارات نجحت في الإجراءات قصيرة الأجل، لكن يجب الحفاظ على رؤية الإمارات طويلة الأجل، وهذا يعني التعاون مع الدول والهيئات التجارية والمجتمع الدولي على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، ويشكل برنامج «اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة» حجر الزاوية في هذه الجهود، مؤكداً أنه مع إبرام 38 اتفاقية حتى الآن مع شركاء رئيسيين في ست قارات، فإننا نخلق عالماً من الفرص أمام مصدرينا، ونعزز مكانة سوقنا في قلب التجارة العالمية.
وأضاف الزيودي: «يتعين علينا أيضاً المضي قدماً في خططنا لتحديث سلاسل الإمداد، وتعزيز التجارة الحرة والعادلة في جميع أنحاء العالم».
وأكد الزيودي أنه «لا يمكننا السماح لدول منفردة بأن تحدد طموحاتنا التجارية. ويجب أن تظل الممرات المائية الدولية حرة، وألا تخضع لأي شكل من أشكال القيود أو الرسوم. لا تملك أي دولة مضيق هرمز، ولا ينبغي لأي دولة أن تقرر من يمكنه الوصول إليه ومن لا يمكنه ذلك، وهذا خط أحمر بالنسبة إلى دولة الإمارات، وينبغي أن يكون كذلك بالنسبة إلى كل دولة في الخليج».
وقال الزيودي: «شكلت الأشهر الستة الماضية اختباراً قاسياً لنا جميعاً، لكننا استجبنا لهذا الاختبار، وأثبتنا مرة أخرى المرونة الاستثنائية لمجتمعاتنا، وجهود شركاتنا، وحسم قيادتنا». وأضاف معاليه: «ومع كل تحدٍ واجهناه، خرجنا بمزيد من التصميم والهدف الواضح، وحولنا الأزمة إلى (ميزة هيكلية)، وسنواصل تعزيز قدرتنا على استقطاب التجارة العالمية، وترسيخ مكانتنا جسراً أساسياً بين مختلف قارات العالم».
وكان منتدى هيلي قد اختتم فعاليات نسخته الثالثة في أبوظبي أمس. المنتدى الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، استمر على مدار يومين، تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، وشارك فيه نخبة من صنّاع القرار وكبار المسؤولين والدبلوماسيين والأكاديميين والخبراء الدوليين، وساهم في فعالياته أكثر من 75 متحدثاً من 35 دولة حول العالم.
وركز اليوم الثاني من المنتدى على المحور الجيوتكنولوجي، ودور البيانات والطائرات المسيّرة والتقنيات الرقمية في موازين القوة العالمية، وانعكاساتها على الأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية.

النظام الجيوتكنولوجي الجديد
في جلسة رئيسة أدارها محمد الظهوري بعنوان «البيانات والمسيّرات: معركة النفوذ في النظام الجيوتكنولوجي الجديد»، شارك فيها د. محمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني بحكومة دولة الإمارات، ودانيال موتون، نائب الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة لوكهيد مارتن الشرق الأوسط، وطلال القيسي، الرئيس التنفيذي لشركة «كور42» والرئيس بالإنابة للشؤون العالمية في مجموعة G42، ويو جيه سونج، السفير السابق لجمهورية كوريا الشقيقة في دولة الإمارات، طرح المتحدثون استنتاجات أهمها: ضرورة تمكين المجتمعات لتكون خط دفاعنا الأول، ضد الهجمات السيبرانية، ومن الأهمية بمكان نشر الوعي بالأمن السيبراني، وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وترسيخ الحوار بما يدعم تطوير دبلوماسية سيبرانية أوسع، ويوفر بيئة رقمية أكثر أماناً وحماية. وأشار د. محمد الكويتي إلى مبادرات أممية ظهرت خلال «مؤتمر جنيف للسيبرانية»، حيث شاركت فيه أطراف متعددة، وحذّر دانيال موتون من المسيّرات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الأسلحة ذاتية التشغيل تثير مخاوف، فلا بد أن يكون العنصر البشري موجوداً ليتحمل المسؤولية الأخلاقية، خاصة عندما يسفر استخدام هذه المسيّرات عن قتلى. وأثنى دانيال موتون على نجاح الإمارات في التصدي للهجمات وصمودها بهذا لشكل، وهو نجاح لم يتم إحرازه من فراغ، بل بجهود عبر سنوات طويلة. وأوضح طلال القيسي أن الإمارات تبنت رؤية بعيدة المدى، جعلتها صامدة في وقت الاختبار، حيث دشنت منذ سنوات محطات طاقة نووية، وتوسعت في خطوط أنانبيب نقل الطاقة وميناء الفجيرة. 
وأكد المشاركون أهمية النهج التعاوني، الذي يتسم في جوهره بالطابع الدبلوماسي، لفهم التهديدات الناشئة في الأمن السيبراني والمسيّرات وغيرها، والتصدي لها.

حدود التضامن الأوروبي 

وتحت عنوان «منظومة أمن الخليج أين تقف أوروبا»، تضمن اليوم الثاني للمنتدى جلسة حوارية مع لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في دول الخليج، طرحت خلالها د. ابتسام الطنيجي تساؤلات عن أفق وحدود التضامن الأوروبي مع دول الخليج، وعن ماذا يعني التصريح بأن أمن الخليج هو أمن أوروبا. وأوضح «دي مايو» أن الاتحاد الأوروبي يقف مع دول الخليج، ولا يريد أن يكون لدى إيران سلاح نووي، من خلال الحل الدبلوماسي. وأكد «دي مايو» أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية تجاوزت نطاق الطاقة، لتصل إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل مجالات الدبلوماسية، والدفاع والأمن، وشبكات الربط والتجارة، والتقنيات الناشئة، وتستند إلى أطر تعاون مؤسسية تزداد رسوخاً. وقال دي مايو، إن لدى الاتحاد الأوروبي خبرات في التعامل مع إيران، ويسعى الاتحاد إلى إحلال سلام مستدام في المنطقة. ومخاوف الأوروبيين من إيران تشبه مخاوفهم مما يجرى في أوكرانيا، سواء ما يتعلق بخطر الهجمات بالطائرات المسيرة أو ارتباك إمدادات الطاقة. ودعا «دي مايو» إلى ما أسماه هندسة أمنية في المنطقة تتجاوز فتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار، ودعا أيضاً إلى ضرورة العمل على القضية الفلسطينية، في إطار «حل الدولتين». 

خطر الإرهاب يتفاقم

خلال عرض تقديمي بعنوان «مكافحة الإرهاب: اتجاهات جديدة ترسم أمن العقد المقبل»، حذر ديفيد شاريا، مدير ورئيس فرع في المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب، بمجلس الأمن الدولي، من تنامي وتيرة توظيف التنظيمات الإرهابية للطائرات المسيّرة المتاحة تجاريّاً في تنفيذ هجمات متزايدة التعقيد. وقد طوّر «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» هذه المسيّرات لحمل شحنات متفجرة يصل وزنها إلى كيلوجرام واحد، تشكّل تهديداً للأهداف غير المحصّنة، والمطارات، والمجالات البحرية، والمنشآت الحيوية. وحذر من استغلال التنظيمات الإرهابية ما يجري من اضطراب في مضيق هرمز لشن هجمات بحرية. 
وأكد شاريا أن الصراع في إيران يشكل فرصة لامتداد التنظيمات الإرهابية في المنطقة، حيث تستغل التنظيمات الإرهابية الصراعات، والفراغات الأمنية، والانقسامات الطائفية، في إعادة تشكيل قدراتها، وتوسيع مجال تحرّكها العملياتي، وتقوية شبكاتها في المنطقة.
وأضاف شاريا أن الأصول الافتراضية والعملات المشفّرة، من المجالات البارزة لتمويل الإرهاب. وتشير الأبحاث إلى عدم جاهزية أكثر من 70 دولة للتصدي لهذا التحدي، أو إرساء أطر تنظيمية كافية لأسواق الأصول الافتراضية. وحذر من استخدام المنظمات الإرهابية الذكاء الاصطناعي في تجنيد الإرهابين وبث رسائلهم. وأشاد شاريا بنموذج الإمارات في منع استخدام المسيرات في أغراض تهدد الأمن، من خلال «مبادئ أبوظبي التوجيهية» بشأن مكافحة استخدام المسيرات لأغراض إرهابية، والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي.

قوى مسؤولة

وفي جلسة أدارها صقر النعيمي بعنوان «دور القوى الوسطى في نظام عالمي متصدع»، قدم كارل بِلدت، رئيس وزراء ووزير خارجية السويد السابق والرئيس المشارك للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ومعالي فولك يريميتيش، وزير خارجية صربيا السابق، وزاندوس شيمردانوف، مدير معهد كازاخستان للدراسات الاستراتيجية، وتوصلت مداخلات الجلسة إلى استنتاجات، أهمها أن الدول تحتاج إلى بناء شبكة من العلاقات القائمة على الثقة للتعامل مع نظام عالمي تتزايد التهديدات المحدقة به، وتتبدّل ملامحه سريعاً. وفي ظل انكشاف حدود فاعلية القوة العسكرية، تتعاظم أهمية القوى التكنولوجية، والناعمة، والذكية، ضمن مصادر النفوذ.
وأكد المشاركون في الجلسة أنه لا يوجد تعريف واحد للقوى الوسطى، والمهم أن تكون قوى مسؤولة تعمل على بناء الثقة، ولعب دور الوسيط، وشدد المشاركون في الجلسة على أهمية الاستقلالية الاستراتيجية التي تقوم على تنويع شبكة علاقات موثوق بها، وتجنب الانخراط في حروب الآخرين، وترسيخ علاقات حسن الجوار، ويقتضي تحقيقها أيضاً تدعيم مقوّمات الصمود الداخلي، وتوسيع الشراكات في المجال التكنولوجي وسائر المجالات، في ظل تراجع موثوقية الضمانات الأمنية التقليدية. ودعا المشاركون في الجلسة إلى إصلاح المنظمات الدولية، وبناء منظمات جديدة بديلة. 
وأوضحت مداخلات الجلسة أن بمقدور القوى الوسطى التي تنهج سياسات مسؤولة أن تضطلع بدور في مدّ جسور التواصل، وبناء الثقة، والوساطة، عندما تتباين مواقف القوى الكبرى. 

جلسات متزامنة 

تضمنت فعاليات اليوم الثاني من المنتدى جلسة، أدارها مصطفى بيومي، بعنوان «من الإجهاد المائي إلى الأمن المائي: الطريق إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه بأبوظبي- وما بعده»، شارك فيها محمد الجنيبي، مدير تنفيذي لتنفيذ المشاريع في مبادرة محمد بن زايد للماء، ود. دلال الشامسي، مدير المركز الوطني للمياه والطاقة جامعة الإمارات العربية المتحدة، ود. محمد محمود، باحث رئيس في سياسات الماء والطاقة بجامعة الأمم المتحدة بكندا، وفيروز الدباغ، الباحثة بالمعهد الدولي لإدارة المياه في مصر، وجلسة عن «ارتدادات مستقبل إيران على المنطقة والعالم، وجلسة بعنوان «العالم اليوم: ما بين نقاط الاختناق والحصار»، وجلسة عن «الفضاء والمراقبة والأمن الأبعاد الجديدة للبنية السيادية». 
واختتم المنتدى أعماله مؤكداً أهمية الحوار وتبادل الرؤى في فهم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، وتطوير مقاربات عملية تعزز أمن الخليج واستقراره وازدهاره، وتدعم دوره في صياغة مستقبل النظام الإقليمي والدولي.