هالة الخياط (أبوظبي)
أكد المهندس عيسى مبارك المزروعي، مدير عام تطوير البنية التحتية في دائرة البلديات والنقل، أن أبوظبي تمضي في إعادة صياغة مفهوم التنمية الحضرية، بالانتقال من تطوير البنية التحتية بوصفها أصولاً ومرافق، إلى بناء منظومة متكاملة تجعل الإنسان وجودة حياته محوراً للتخطيط والاستثمار وصناعة مدن المستقبل. وأوضح، في حوار مع «الاتحاد»، بالتزامن مع انعقاد معرض جودة الحياة والاستثمار «ليفكس 2026» 29 سبتمبر الجاري، أن التطور الذي تشهده أبوظبي في التخطيط الحضري والبنية التحتية والتنقل الذكي والعقارات والتحول الرقمي والمساحات العامة، يعكس رؤية تتجاوز تنفيذ المشاريع إلى قياس أثرها في حياة المجتمع والاقتصاد.
وتستضيف دائرة البلديات والنقل «ليفكس 2026» خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر في مركز أدنيك أبوظبي، بمشاركة دولية واسعة، بهدف تعزيز الحوار حول العلاقة بين جودة الحياة والتنمية الحضرية والاستثمار، وبمشاركة قطاعات تشمل العقارات والتنقل والصحة والتعليم والثقافة والتكنولوجيا والاستدامة. منظومة مترابطة
ويرى المزروعي أن أهمية «ليفكس» تنطلق من أن مستقبل المدن لم يعُد موضوعاً يمكن النظر إليه من زاوية واحدة، إذ ترتبط جودة الحياة بالتخطيط والبنية التحتية والتنقل والإسكان والاستدامة والتكنولوجيا والاقتصاد، ويؤثر كل عنصر منها في الآخر. وقال: «تمتلك أبوظبي تجربة مهمة في بناء هذا التكامل، ويمثّل «ليفكس» منصة لعرض هذه التجربة، وفي الوقت ذاته للتعلم من التجارب العالمية واستقطاب الأفكار والتقنيات والخبرات الجديدة. هدفنا ليس الحديث فقط عما أنجزناه، وإنما فتح حوار حول ما تحتاج إليه مدن المستقبل وكيف يمكن تحويل هذا الحوار إلى شراكات وحلول عملية».
وأوضح أن مفهوم البنية التحتية أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بأثر المشروع في حياة الإنسان، وقال: «البنية التحتية بالنسبة لنا لم تعُد مشروعاً يبدأ وينتهي عند إنشاء طريق أو جسر أو مرفق. فنحن ننظر إليها من جانب أثرها في حياة الإنسان: كم من الوقت توفر له؟ وكيف تجعل تنقله أكثر سهولة وأماناً؟ وهل تسهّل وصوله إلى عمله ومدرسته والحديقة والخدمات؟ وهل تدعم النشاط الاقتصادي والاستثمار؟». وأشار إلى أن هذا النهج انعكس على تطوير الطرق والمجتمعات والمساحات العامة والاهتمام بالمشي والدراجات والتنقل المستدام والحدائق والمرافق المجتمعية.
ويشكّل إعادة تطوير حديقة الخالدية مثالاً على ذلك، إذ أعيد تصميمها لدعم الرياضة والترفيه والتواصل المجتمعي، مع ممشى مبرد يتيح الاستفادة من المساحات الخارجية طوال العام.
الأثر معيار النجاح
وشدد المزروعي على أن حجم المشروع أو تكلفته لم يعودا وحدهما كافيين لقياس النجاح، وقال: «السؤال الأهم هو: ما الذي تغير في حياة الناس بعد تنفيذ المشروع؟»، موضحاً أن التقييم يأخذ في الاعتبار سهولة الوصول ووقت الرحلة والسلامة واستخدام المساحات العامة ومستوى النشاط المجتمعي وكفاءة الخدمات.

وتعمل الدائرة على تطوير أحياء ومرافق تشجع أنماط الحياة النشطة وتعزز التواصل الاجتماعي من خلال الحدائق ومسارات المشي والدراجات والمرافق الرياضية والمساحات المجتمعية، وهو توجه يظهر في المشاريع المنفذة في مناطق الفلاح ومدينة محمد بن زايد والشامخة.
التخطيط الاستباقي
وتؤدي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في هذا التحول، إذ قال المزروعي: «المدينة الذكية بالنسبة لنا ليست المدينة التي تمتلك أكبر عدد من التقنيات، وإنما المدينة التي تستخدم التكنولوجيا لاتخاذ قرارات أفضل وتحسين حياة الإنسان».
وأشار إلى توظيف البيانات والنمذجة الرقمية والذكاء الاصطناعي في التخطيط الحضري وإدارة البنية التحتية والخدمات، بما يساعد على فهم احتياجات المناطق والتنبؤ بالتحديات قبل حدوثها.
ولفت إلى أن منصة «نبض» تجسّد هذا التوجه، إذ تجمع بيانات التخطيط والبنية التحتية والخدمات ومؤشرات جودة الحياة في بيئة رقمية متكاملة. وتضم بيانات من أكثر من 70 مصدراً مرتبطة بأكثر من 15 نظاماً، مع لوحة لمؤشرات جودة الحياة على مستوى الأحياء، بما يدعم الانتقال من التخطيط القائم على البيانات التاريخية إلى التخطيط الاستباقي.
البنية التحتية والاستثمار
وأكد المزروعي أنه «لا يمكن فصل جودة البنية التحتية عن جاذبية المدينة للاستثمار»، لافتاً إلى أن المستثمر ينظر إلى سهولة الوصول والتنقل والخدمات والتكنولوجيا وجودة المكان وقدرة المدينة على استقطاب الكفاءات. وفي مجال التنقل، أكد المزروعي أن أبوظبي تنتقل من التفكير في وسائل النقل بصورة منفصلة إلى النظر في «رحلة الإنسان كاملة»، من خلال منظومة تمنح المستخدم خيارات متعددة ومتكاملة للتنقل بسهولة وأمان وكفاءة.
«ليفكس» 
وأكد المزروعي أن نجاح «ليفكس» لن يقاس فقط بعدد المشاركين أو الجلسات، قائلاً: «ما نريده هو أن تستمر الأفكار والشراكات بعد انتهاء المعرض»، وأن تتحوّل المنصة إلى حلقة وصل بين التحديات الحقيقية التي تواجه المدن والخبرات والاستثمارات والتكنولوجيا القادرة على تقديم حلول لها، والخروج بشراكات ومشاريع ذات أثر ملموس.
واختتم المزروعي برؤية أبوظبي للمرحلة المقبلة، قائلاً: «طموحنا أن تكون أبوظبي مدينة تستطيع أن تفهم احتياجات سكانها قبل أن تتحوَّل إلى تحديات، وأن تستخدم البيانات والتكنولوجيا للتخطيط بصورة استباقية. وأضاف: «مدينة المستقبل بالنسبة لنا ليست مدينة تملؤها التكنولوجيا، وإنما مدينة تجعل التكنولوجيا غير مرئية تقريباً لأنها تعمل بسلاسة لخدمة الإنسان».