نيويورك (الاتحاد)

أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة الالتزام بنهج الاعتدال ونبذ العنف والتطرف والاستثمار في الإنسان، وفي الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها المنطقة، قائلةً: «نمد أيادينا إلى شركائنا في المنطقة وحول العالم، لنبني لا لنهدم، ولنجمع لا لنفرق».
وقالت الإمارات في بيان أمام المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ألقاه معالي خليفة بن شاهين المرر، وزير دولة، إن منطقتنا والعالم يمران بمرحلة تتسارع فيها التحولات، وتتعاظم فيها التحديات والانقسامات.
وأكد أنه في خضم كل ذلك، تقف دولة الإمارات شامخة، برؤية واضحة، وعزيمة لا تنثني لتحويل التحديات إلى فرص، وترجمة الطموحات إلى إنجازات، وفتح آفاق جديدة للسلام والتنمية والازدهار، لشعبنا وشعوب المنطقة والعالم.
وأشار معاليه إلى أن ذلك ينطلق من النهج الراسخ القائم على خفض التصعيد، وبناء الجسور، وتعزيز الدبلوماسية والحوار، وتسوية الخلافات عبر الحلول السلمية، ورفض الاستخدام غير المشروع للقوة أو التهديد بها، أو اللجوء إلى الإكراه، احتراماً لسيادة الدول وحسن الجوار، والالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأشار معاليه في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن أساس السياسة الوطنية والخارجية للإمارات قائم على هذه القيم.
وقال معاليه: «مع استمرار احتلال إيران المرفوض للجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التزمنا على الدوام مطالبتها بالتوصل لتسوية سلمية لهذا النزاع عبر المفاوضات المباشرة، أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية».
وأضاف معاليه: «مع تنامي التهديدات التي تواجه حرية الملاحة في منطقتنا وخارجها، استمرت بلادي في التأكيد على مبادئ حرية الملاحة وحق المرور العابر، وضرورة تأمين وحماية التدفق الآمن لسلاسل الإمداد والتجارة والطاقة، وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك قانون البحار ومبدأ سيادة الدول، باعتبار ذلك ركيزة للأمن الغذائي والتنمية وازدهار الشعوب. وواصلنا دعمنا لكل جهد مخلص لتحقيق السلام، وبالأخص في اليمن، وليبيا، والساحل، والكونغو الديمقراطية، وميانمار، وهايتي، وغيرها».
كما أكد معاليه دعم جهود التوصل إلى حل سياسي مستدام لقضية الصحراء المغربية، استناداً إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع التأكيد على سيادة المملكة المغربية على هذه الصحراء.
وأشار معاليه إلى الدفع نحو تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في أوكرانيا، وفقاً لأحكام القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك احترام السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي.
وقال: «واصلنا مساعينا كوسيط دولي موثوق، حيث أنجزنا 26 عملية وساطة لتبادل ما يقارب 8 آلاف أسير بين أوكرانيا وروسيا الاتحادية، وإعادتهم إلى أوطانهم وأسرهم. كما كانت دولة الإمارات حاضرة لدعم تلك الدول التي شهدت تحولات إيجابية، كسوريا ولبنان، وهما تمضيان نحو مستقبل آمن ومستقر».
أما في السودان، فقد شدد البيان على ضرورة إنهاء الكارثة الإنسانية، والتوصل لوقف إطلاق نار دائم غير مشروط، يضع حداً للحرب الأهلية، وإطلاق عملية سياسية شاملة وذات مصداقية، بقيادة مدنية، تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة عن طرفي النزاع والجماعات المتطرفة، مع أهمية ضمان أن لا يكون لأيٍّ من طرفي النزاع دور في الحكومة المدنية الجديدة، معتبراً أن مستقبل السودان يجب أن يقرره الشعب السوداني وحده، وعلى المجتمع الدولي أن يضغط على قيادات «سلطة بورتسودان» وقوات الدعم السريع، بوصفهم أطراف النزاع، للانخراط الجاد مع المبادرات الدولية.
وفي غزة، أشار البيان إلى أن دولة الإمارات كانت من أوائل الداعمين للإطار الذي وضعه المجتمع الدولي لإنهاء الحرب المروعة في غزة، وشدد على ضرورة التنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، وخارطة الطريق المنبثقة عنها، بما يشمل انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، ونزع سلاح حماس، والدفع نحو أفق سياسي جاد يفضي إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، على أساس حل الدولتين، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، التي تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في أمن وسلام.
كما أكد أهمية ضمان توحيد غزة والضفة الغربية تحت سلطة فلسطينية قادرة، بعد إصلاحها، على الاضطلاع بمسؤولياتها وحصر السلاح بيدها.
وشدد على ضرورة وقف التصعيد الإسرائيلي الخطير في الضفة الغربية، وممارساتها الاستيطانية، والمتزامنة مع تصاعد عنف وإرهاب المستوطنين ومحاصرة القرى الفلسطينية، إلى جانب الانتهاكات المتواصلة في القدس الشرقية والمقدسات، ومحاولات فرض وقائع تاريخية وقانونية جديدة، والتي تدينها بلادي بشدة.
وقال معاليه: «عبر عقودٍ من الزمن، ظل التزام دولة الإمارات تجاه الشعب الفلسطيني راسخاً، ويستمر ذلك اليوم عبر دورنا كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية لغزة، إلى جانب مشاريعنا الإنسانية والتنموية في الضفة الغربية. وينطلق هذا الدور من القيم الثابتة في سياستنا الخارجية والقائمة على العطاء، بما في ذلك عبر شراكات دولية فاعلة، مع التأكيد على مبادئ القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين».
وأضاف: «في جميع هذه الملفات، تتجدد أهمية تطوير وإصلاح المؤسسات والآليات الإقليمية والدولية متعددة الأطراف، لتعزيز قدرتها على الوفاء بمسؤولياتها، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن. ومع الاستعداد لانتقال الأمم المتحدة إلى قيادة جديدة، فإننا نتطلع لأن يستخدم الأمين العام الجديد مساعيه الحميدة في تفعيل أدوات الوقاية والوساطة قبل أن تلوح بوادر الأزمات، وليس فقط بعد اندلاعها، فالأزمات يجب أن تعالج من جذورها، بدلاً من الاكتفاء بإدارتها».
وقال معالي الوزير خليفة المرر: الإمارات رفضت السماح للأزمات من حولها بأن تقوض ما حققته من إنجازات رائدة عالمياً على مدى عقود، بل واصلت الدفع بعجلة التقدم في المجالات كافة، مشيراً إلى أن هذا الوطن لم يُبنَ في غياب التحديات، بل بالرغم منها، وشعوب هذه المنطقة تتطلع للاستقرار والازدهار، في محيط يسوده التعاون، والاعتدال، والتسامح، لا العنف والكراهية أو التطرف والإرهاب.
وتابع: «أثبت النموذج الإماراتي قدرته على الصمود وتحقيق نتائج ملموسة، عبر الاستثمار في مقومات القوة الوطنية، وفي مقدمتها الاستقلال الاستراتيجي، والقدرات الصناعية، ومنظومات الدفاع المتقدمة، والبنية التحتية واللوجستية عالمية المستوى، إلى جانب تمكين رأس المال البشري وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، واغتنام الفرص التي توفرها اتفاقيات الشراكات الاقتصادية الشاملة المبرمة بين دولة الإمارات وثمانٍ وثلاثين دولة، وغيرها من الأطر، بما يعزز تنويع الأسواق وسلاسل الإمداد، ويوسع فرص التجارة والاستثمار».
وأكد معاليه مواصلة ترسيخ دور دولة الإمارات كمركزٍ عالميٍّ يربط الأسواق ورؤوس الأموال، ويسهم في فتح آفاق أوسع للنمو، مشيراً إلى أن هذا هو العهد الذي تقطعه دولة الإمارات لشعبها ولكل من يعيش على أرضها، وهو أيضاً الأساس الذي تقوم عليه شراكاتها الدولية، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي، والقارة الأفريقية، والتي تطورت إلى تعاون استراتيجي طويل الأمد يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وأضاف: «تمضي دولة الإمارات في توسيع استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة، والرعاية الصحية، والتعليم. كما نعزز مكانتنا كطرف موثوق ومسؤول في قطاع الطاقة، يجمع بين تلبية احتياجات اليوم والاستثمار في حلول المستقبل، ويسهم في ترجمة الالتزامات التاريخية في (اتفاق الإمارات) إلى عمل جماعي طويل الأمد».
واستكمل: «تستعد دولة الإمارات لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه هذا العام بالشراكة مع السنغال، إدراكاً لأهمية تضافر الجهود والعمل الدولي المشترك للتصدي لتحديات المياه والمناخ والأمن الغذائي. ونتطلع لأن يُشَكل المؤتمر محطةً حيويةً للدفع بحلول عملية تعزز الأمن المائي. وندعوكم إلى المشاركة في المؤتمر، ونتطلع إلى لقائكم في أبوظبي. وتأتي جهودنا هذه في سياق التزامنا الراسخ بتحويل تحدي ندرة المياه إلى فرصة للابتكار والعمل الدولي المشترك، بما في ذلك عبر مبادرة محمد بن زايد للمياه، والتي تجمع بين الابتكار والتعاون والاستثمار لتطوير حلول عملية ومستدامة لهذا التحدي، بما يخدم الأجيال الحالية والمستقبلية».
وأشار معاليه إلى أن مدينة أبوظبي شهدت قبل يومين افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة الـ 15 لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، والذي يسلط الضوء على مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة للحماية من آثار الجريمة والعنف والاستغلال.
وفي الوقت ذاته، أكد معاليه الاستثمار في قيم التسامح والتعايش السلمي والشمولية، عبر شراكات تجمع مختلف الجنسيات والأديان، وبناء مجتمع تشارك فيه المرأة بشكل كامل ومتساوٍ وفاعل، ويكون فيه الشباب شركاء حقيقيين في صياغة مستقبلهم.
وفي ختام البيان، أكد معالي الوزير خليفة المرر مواصلة الإمارات الالتزام بنهج الاعتدال، ونبذ العنف والتطرف، والاستثمار في الإنسان، وفي الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها المنطقة، ومد الأيادي إلى الشركاء في المنطقة وحول العالم، لنبني لا لنهدم، ولنجمع لا لنفرق.