دينا جوني (أبوظبي)

تحتفي الإمارات باليوم العالمي للمُعلم، الذي يصادف الخامس من أكتوبر من كل عام بمنظومة متنامية من المبادرات والبرامج التي تضع المعلم في صميم تطوير التعليم، وتنطلق من الاستثمار في قدراته المهنية وتمكينه من أدوات المستقبل، وصولاً إلى فتح مسارات التطور والقيادة أمامه، وتعزيز حضوره شريكاً في تطوير المنظومة التعليمية، فيما يمتد هذا الدور إلى خارج الدولة عبر مبادرات إماراتية، تستهدف تطوير أداء المعلمين، والارتقاء بجودة التعليم في دول ومجتمعات مختلفة حول العالم. 
وشهد عام 2026 زخماً لافتاً في البرامج الموجهة إلى الكوادر التعليمية، خصوصاً في مجالات التطوير المهني والذكاء الاصطناعي والقيادة المدرسية، في ترجمة لتوجه يعتبر الاستثمار في المعلم مدخلاً رئيسياً للارتقاء بنواتج التعليم، بالتوازي مع مبادرات تستهدف تعزيز جاذبية المهنة، واستقطاب الكفاءات الوطنية إليها، وتوفير مسارات مستدامة لتطورها المهني.

تقدير المعلم يتجاوز المتوسطات الدولية 
تعكس المؤشرات الدولية موقع المعلم في المنظومة التعليمية بالدولة، إذ أظهرت نتائج المسح الدولي للتعليم والتعلم «TALIS 2024»، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والذي نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أكتوبر 2025، أن 78% من المعلمين في الإمارات يرون أن مهنتهم تحظى بالتقدير في المجتمع، مقابل 22% في متوسط دول المنظمة، فيما أفاد 85% بأن آراء المعلمين تحظى بالتقدير لدى صانعي السياسات، مقابل 16% في المتوسط الدولي. 
وأظهرت النتائج ارتفاع مؤشرات إعداد المعلمين ودعمهم المهني، إذ قيّم 95% من المعلمين حديثي التخرج جودة إعدادهم الأولى بأنها مرتفعة، مقابل 75% في متوسط دول المنظمة، فيما شارك 89% ممن انضموا حديثاً إلى مدارسهم في برامج تهيئة رسمية أو غير رسمية، وبلغت نسبة المعلمين المبتدئين الذين لديهم مرشد مهني مخصّص 56%، أي أكثر من ضعف متوسط المنظمة البالغ 26%. 
ويبرز المعلمون في الإمارات في تبني أدوات المستقبل، إذ أفاد 75% منهم باستخدام الذكاء الاصطناعي في عملهم، مقارنة بـ36% في متوسط دول المنظمة. 
وتنسجم  المؤشرات مع نتائج «PISA 2025» التي نُشرت العام الجاري، وأظهرت أن مستويات الدعم الذي يقدمه المعلمون للطلبة في الإمارات تتجاوز متوسطات المنظمة، إذ أفاد 80% من الطلبة بأن معلميهم يقدمون لهم مساعدة إضافية عند الحاجة، مقابل 73% في المتوسط الدولي.

24 ألف تربوي 
وفي أحدث خطواتها لتطوير الكوادر التعليمية، استهلت وزارة التربية والتعليم العام الدراسي 2026–2027 بأسبوع التدريب التخصصي، الذي شارك فيه أكثر من 24 ألفاً من المعلمين والقيادات المدرسية والاختصاصيين، وضم أكثر من 80 برنامجاً وورشة تدريبية تخصصية على مدار خمسة أيام، نُفذت حضورياً وعن بُعد وبنظام التدريب الهجين. 
وتناولت البرامج مجالات ترتبط مباشرة بالتحولات التي يشهدها التعليم، من بينها توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، والإرشاد الأكاديمي والمهني، وجودة الحياة المدرسية، والتعليم الدامج، ورعاية الطلبة الموهوبين، والقياس والتقييم، وعلوم التعلم، والتقييم المبني على البيانات، فضلاً عن القيادة والابتكار والتميز المؤسسي. 
وتقوم فلسفة التدريب الجديدة على نقل أثر التطوير المهني إلى الممارسة اليومية داخل المدرسة، من خلال التدريب التطبيقي والمختبرات التفاعلية ودراسة الحالات الواقعية وتبادل الخبرات، بدلاً من اقتصار التطوير المهني على اكتساب المعرفة النظرية. 
كما خصص الأسبوع مساراً متكاملاً لأكثر من 1700 من القيادات المدرسية، بينهم 500 مدير مدرسة و1200 نائب مدير ورئيس وحدة، تضمن «مختبر الكفاءات القيادية»، وبرامج في قيادة الثقافة المدرسية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار وتحسين الأداء.

«كفاءات» لـ25 ألفاً 
ويتسع الاستثمار في التطوير المهني من خلال منصة «كفاءات» التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم لتعزيز كفاءة الكوادر التعليمية والإدارية، خصوصاً في التخصصات ذات الأولوية، عبر برامج تدريبية متقدمة وحلول تطويرية تستند إلى أحدث الممارسات التربوية والمعايير العالمية. 
وتستهدف المنصة تدريب 25 ألف قائد ومُعلم وإداري في قطاع التعليم، من خلال برامج متخصصة جرى تطويرها بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية وتربوية، بما يعكس اتجاهاً نحو بناء منظومة مستدامة للتعلم المهني لا تقتصر على محطات تدريبية منفصلة، وإنما تواكب المعلم والقيادات التعليمية مع تطور احتياجات المدرسة والمناهج وأدوات التعليم. 
وتضم حزمة التطوير المهني التي أعلنتها الوزارة للعام الدراسي الجاري أيضاً مشروع القيادات المدرسية الواعدة، وبرنامج بناء القدرات الشاملة للقيادات التعليمية، وبرنامج الزمالة المهنية، وبرنامج إعداد المدربين الداخليين المعتمدين، بما يوسع مسارات التطور أمام العاملين في الميدان ويتيح نقل الخبرة داخل المنظومة التعليمية نفسها.

المعلم والذكاء الاصطناعي 
ويحتّل تأهيل المعلمين لعصر الذكاء الاصطناعي مساحة أساسية في هذه المنظومة. ففي مايو 2026، أطلقت وزارة التربية والتعليم وجامعة حمدان بن محمد الذكية «البرنامج الوطني لصقل مهارات الذكاء الاصطناعي للمعلمين»، وإتاحته لجميع معلمي الوزارة على مستوى الدولة. 
وصُمم البرنامج ليقدم تجربة تعلم مرنة وعملية تساعد المعلم على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومسؤولية داخل الصف، واستخدامها في التخطيط والتقييم والتفاعل مع الطلبة، مع الحفاظ على الدور المحوري للمعلم وعدم تحويل التكنولوجيا إلى عبء إضافي عليه. 
ويتكون البرنامج من ثماني وحدات تعليمية، ويعتمد بدوره على الذكاء الاصطناعي لتكييف تجربة التدريب مع احتياجات المعلم وتقديم تغذية راجعة واقتراحات عملية تستند إلى سيناريوهات تعليمية واقعية. 
ويتكامل ذلك مع برنامج «آفاق» الذي تنفذه كلية الإمارات للتطوير التربوي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لتمكين المعلمين من دمج الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية بصورة فعالة وأخلاقية ومستدامة. ويستهدف البرنامج في مرحلته الأولى تدريب 5000 معلم ومعلمة، ويتضمن 20 ساعة تدريبية موزعة على خمس ورش عملية، تشمل تصميم بيئات تعلم تكيفية وشاملة، والتقييم المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وبناء ثقافة مدرسية داعمة للتكنولوجيا، ووضع سياسات أخلاقية لاستخدامها. 
وتكتسب هذه البرامج أهمية إضافية مع إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المنظومة التعليمية، إذ يصبح تمكين المعلم شرطاً أساسياً لتحويل التكنولوجيا من مجرد أداة متاحة إلى قيمة تعليمية فعلية داخل الصف.

مسارات للمواطنين 
يمتد دعم المهنة إلى بناء مسارات لاستقطاب الكفاءات الوطنية والاحتفاظ بها. ففي أبوظبي، أعلنت دائرة التعليم والمعرفة خلال العام الجاري شراكة مع «الدار للتعليم» تستهدف زيادة مشاركة المواطنين الإماراتيين في وظائف التدريس ومساعدي المعلمين، مع توفير مسارات واضحة للتدريب والتطوير المهني والقيادة والتقدم الوظيفي. 
وتشمل الشراكة توفير ما يصل إلى 30 فرصة تدريب داخلي سنوياً، وما يصل إلى 40 وظيفة مساعد معلم للمبتدئين سنوياً، إلى جانب برنامج تطوير مهني متعدد السنوات، فيما تستند جهود تطوير الكفاءات التعليمية في الإمارة إلى إطار كفاءة المعلمين في أبوظبي لتعزيز معايير المهنة وبرامج التطوير المهني واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها. 
وعلى المستوى الوطني، يدعم برنامج «معلمين» توطين القطاع التعليمي الخاص، مستهدفاً تعيين ألف مواطن سنوياً منذ عام 2024 وصولاً إلى أربعة آلاف مواطن خلال أربع سنوات، مع توفير برامج تدريبية وتخصصية وبرامج ترخيص مهني معتمدة تؤهل المواطنين للعمل في قطاع التعليم الخاص.

من الإمارات إلى العالم 
ولا يقف الاستثمار الإماراتي في المعلم عند حدود الدولة، إذ يتخذ بُعداً دولياً من خلال مبادرات تستهدف تطوير أداء المعلمين ونقل التجارب المتميزة وتوسيع أثرها. 
وتبرز في هذا السياق جائزة «حمدان- اليونسكو لتنمية أداء المعلمين»، التي تحوَّلت إلى منصة دولية لدعم المشاريع التي تسهم في تحسين أداء المعلمين وفاعليتهم حول العالم. وتبلغ قيمة الجائزة 300 ألف دولار، توزع بالتساوي على ثلاثة مشاريع فائزة، وتمنح مرة كل عامين بدعم من مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية والتربوية. 
وتكتسب دورة 2025 – 2026 دلالة خاصة، إذ يُعلن عن المشاريع الثلاثة الفائزة في الخامس من أكتوبر في مقر منظمة اليونسكو في باريس، بالتزامن مع الاحتفال العالمي باليوم العالمي للمعلمين. 
وسجلت الدورة التاسعة أعلى مستوى للمشاركة منذ إنشاء الجائزة، بعدما تلقَّت 169 طلباً من 64 دولة، استوفى 129 منها شروط الأهلية، فيما شاركت 15 دولة للمرة الأولى، وبلغت نسبة النمو في المشاركات 66%، بما يعكس اتساع النطاق الدولي للمبادرة الإماراتية. 
ويتسع الحضور الإماراتي في دعم التعليم عالمياً عبر «دبي العطاء»، التي وصلت منذ تأسيسها إلى نحو 117 مليون مستفيد في 60 دولة، من خلال شراكات مع 143 مؤسسة أسهمت في تنفيذ 264 برنامجاً و48 مبادرة و40 برنامجاً بحثياً، وشملت مجالات عملها تأهيل الكوادر التعليمية إلى جانب دعم الصحة المدرسية والبنية التحتية والاستجابة الإنسانية.

 

جائزة محمد بن زايد

تُعد «جائزة محمد بن زايد لأفضل مُعلم» إحدى مؤسسات «مؤسسة إرث زايد الإنساني»، من أبرز المبادرات الإماراتية، التي تجعل من تقدير المُعلم حافزاً لتطوير الممارسة التعليمية والارتقاء بمخرجاتها، من خلال معايير تشمل التميُّز في الإنجاز، والإبداع والابتكار، والتطوير والتعليم المستدام، والمواطنة الإيجابية، والريادة المجتمعية، والمهنية.
وتستهدف الجائزة إبراز التجارب التعليمية المتميزة، وتحفيز المعلمين على تطوير أدواتهم وممارساتهم، بما يواكب التحولات التي يشهدها قطاع التعليم، ويمنح التجارب الناجحة مساحة أوسع للتعلم منها وتبادلها.

 

الأكاديمية العالمية للمُعلم

يأتي البرنامج ضمن جهود المدرسة الرقمية لبناء قدرات المعلمين وتمكينهم من توظيف أدوات وتقنيات التعليم الرقمي الحديثة، من خلال «الأكاديمية العالمية للمعلم الرقمي» (DEGA)، التي تُعد واحدة من أكبر مبادرات إعداد المعلمين رقمياً متعددة اللغات على مستوى العالم، إذ استفاد منها أكثر من 40 ألف معلم ومعلمة من أكثر من 40 دولة، عبر برامج تدريبية تقدم بسبع لغات هي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والكردية، والبرتغالية، والإندونيسية

 

جائزة خليفة التربوية»

تأتي «جائزة خليفة التربوية» إحدى مؤسسات «مؤسسة إرث زايد الإنساني»، ضمن منظومة الجوائز الإماراتية التي تجعل من التقدير حافزاً لتطوير التعليم والارتقاء بالممارسات التربوية، من خلال مجالات وفئات تمتد من التعليم العام والعالي إلى البحوث والمشروعات التعليمية، وتحتفي بالمعلمين المبدعين والمتميزين.
ووسّعت الجائزة في دورتها العشرين للعام 2026-2027، نطاق تحفيزها للابتكار بإضافة فئة «الابتكار والذكاء الاصطناعي في التعليم» للمرة الأولى، لتشجيع الممارسات والحلول التي توظّف التقنيات الحديثة في تطوير التدريس وتحسين نواتج التعلم، بما يواكب التحولات التي يشهدها التعليم ويمنح المعلمين والمؤسسات التعليمية مساحة أوسع لتقديم تجارب قابلة للتطبيق والاستفادة منها.

 

جائزة حمدان-اليونسكو

تتجلى المكانة العالمية التي توليها الإمارات للمُعلم في «جائزة حمدان-اليونسكو لتنمية أداء المعلمين»، التي سجلت في دورتها التاسعة أعلى مشاركة منذ إطلاقها، باستقبال 169 طلباً من 64 دولة، استوفى منها 129 طلباً شروط الأهلية، فيما شاركت 15 دولة للمرة الأولى، بنمو بلغ 66% في عدد المشاركات.
ويأتي إعلان الفائزين في 5 أكتوبر الجاري بمقر اليونسكو في باريس، ليجسّد توجه الجائزة نحو الاستثمار في تطوير المعلمين والارتقاء بمكانتهم المهنية.