أبوظبي (الاتحاد)

دعا مؤتمر «تريندز» السنوي السادس إلى تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، وتطوير الشراكات الاستراتيجية، وترسيخ مقومات الأمن الاقتصادي والسيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتحويل مخرجات الحوار الاستراتيجي إلى سياسات ومبادرات عملية تسهم في بناء شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات والتحولات الجيوسياسية.
وأكدت التوصيات الختامية للمؤتمر، الذي نظّمه «تريندز جلوبال» التابع لمجموعة تريندز، بالتنسيق مع مكاتبه في 26 دولة، يوم أمس الأول في فندق الريتز-كارلتون أبوظبي، تحت عنوان «الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، أن تحقيق الأمن المستدام يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية، لتشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والرقمي، وتعزيز المرونة المجتمعية، وتطوير آليّات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات، وتوسيع مجالات التعاون بين دول المنطقة وشركائها الدوليين.
وجاءت هذه التوصيات التي ألقاها الباحث الرئيس عوض البريكي، مدير عام «تريندز جلوبال»، في ضوء مناقشات المؤتمر، الذي تناول أربعة محاور رئيسة، هي مستقبل الرّدع والأمن الإقليمي، والمجال المعلوماتي بوصفه ساحة للصراع، والتحولات في الشراكات الاستراتيجية وتوازنات القوى، وأمن تدفقات الطاقة والتجارة في ظل التنافس الجيو-اقتصادي.
وشدّدت التوصيات على أهمية تطوير آليّات الإنذار المبكر، وتكثيف التنسيق الاستخباري، وتعزيز التكامل بين أنظمة الدفاع القائمة، بما يرفع كفاءة الاستجابة للتهديدات المشتركة والعابرة للحدود. كما دعت إلى تبنّي مقاربة متكاملة للأمن الإقليمي تجمع بين القدرات العسكرية والردع والدبلوماسية وتدابير بناء الثقة وآليات إدارة الأزمات، مع تعزيز مسؤولية دول المنطقة عن أمنها واستقرارها.
وفي مجال الشراكات الدولية، أكدت ضرورة بناء علاقات استراتيجية أكثر استدامة مع الولايات المتحدة وأوروبا وسائر الشركاء الدوليين، تستند إلى المصالح المشتركة والالتزامات طويلة الأجل، ولا تقتصر على التعاون الحكومي، بل تمتد إلى الجامعات والشركات ومراكز البحوث ومؤسسات المجتمع المدني.
أما على الصعيد الاقتصادي، فدعت التوصيات إلى وضع المرونة الاقتصادية في صميم الأمن القومي، من خلال حماية البنية التحتية الحيوية، بما يشمل منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية والكابلات البحرية وسلاسل الإمداد.
وشدّدت كذلك على تعزيز الأمن السيبراني والمرونة المعلوماتية، عبر حماية البنية التحتية الرقمية، ومواجهة التلاعب بالمعلومات، ورفع مستوى الوعي العام، وضمان توظيف الذكاء الاصطناعي وفق أطر حوكمة مسؤولة ومعايير أخلاقية تُعزّز الثقة العامة.
وأكدت أهمية الانتقال من الحوار الاستراتيجي إلى تعاون عملي ومنظّم، من خلال تعميق التعاون بين دول الخليج، وتوسيع الشراكات مع الأطراف الأوروبية والآسيوية والأفريقية، وإطلاق مبادرات مشتركة في البحث العلمي.
وأبرزت التوصيات الدور المحوري لمراكز الفكر في ربط البحث العلمي بصُنع القرار، وتطوير حلول تستند إلى المعرفة والتحليل، وتحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ، بما يدعم بناء منظومة إقليمية أكثر استدامة للأمن والاستقرار والازدهار.

التهديدات المتغيرة
ناقشت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان «نحو رؤية جديدة للأمن الإقليمي: ماذا بعد الردع؟»، تداعيات الحرب على مفاهيم الرّدع والدفاع والأمن الإقليمي، وسبل تطوير منظومة أمنية قادرة على التعامل مع التحولات الاستراتيجية والتهديدات التي تستهدف البنى التحتية الحيوية والمدنية والرقمية. وأدار الجلسة جميل أندرليني، المدير الإقليمي لصحيفة «POLITICO» في أوروبا، بمشاركة السير مايكل فالون، وزير الدفاع البريطاني السابق، والفريق أول كارين جيبسون، الرئيسة السابقة للاستخبارات في القيادة المركزية الأميركية، والبروفيسور تشوي جونغ كون، النائب الأول السابق لوزير الخارجية في جمهورية كوريا وأستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة يونسي، وباري بافيل، نائب الرئيس السابق ومدير قسم أبحاث الأمن القومي في مؤسسة «راند» (RAND)، وعبد العزيز الشحي، الباحث الرئيسي ونائب المدير العام لبحوث واستشارات «تريندز».
وتناول المشاركون مستقبل الصراع مع إيران، وحدود فاعلية الردع العسكري، وإمكانات بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، مؤكدين أهمية الجمع بين القدرات الدفاعية المتقدمة والتعاون الاستخباراتي والمرونة الرقمية والشراكات الاستراتيجية.
وأكدت كارين جيبسون أن استعادة الاستقرار تتطلب تأمين الملاحة البحرية وحرية التجارة والحد من التهديدات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، فيما أشار تشوي جونغ كون إلى أن مضيق هرمز يمثّل ورقة ضغط استراتيجية مؤثّرة في مسار المواجهة والمفاوضات.
وشدّد عبد العزيز الشحي على ضرورة التمييز بين وقف العمليات العسكرية وتحقيق السلام الدائم، لافتاً إلى أن استدامة الاستقرار تتطلب إرادة سياسية لتسوية الخلافات، والحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي، وإدراك كلفة استمرار الصراع. 
كما ناقشت الجلسة حدود الردع التقليدي أمام التهديدات السيبرانية، وأهمية تحصين الأنظمة الحيوية وتطوير البنى التحتية الرقمية المرنة.

جبهة جديدة للصراع
تناولت الجلسة الثانية، بعنوان «المجال المعلوماتي كساحة للصراع: السرديات والتأثير والحرب المعلوماتية»، تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المضلل، وتأثير السرديات المتنافسة في تشكيل الرأي العام وتوجيه الاستجابات السياسية خلال الأزمات والصراعات.
وأدارت الجلسة اليازية الحوسني، رئيس قطاع الإعلام بمجموعة تريندز، بمشاركة الدكتور سيف الظاهري، مدير مركز العمليات الوطني والمتحدث الرسمي للهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث في الإمارات، وعدد من الشخصيات.
وأكد الدكتور سيف الظاهري أن وفرة المعلومات وسرعة تداولها زادتا من تعقيد إدارة الأزمات، إذ يمكن لصورة أو مقطع مرئي أو محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي أن يربك المجتمعات ويؤثّر في الأسواق والقرارات. واستعرض منظومة الجاهزية الوطنية في الإمارات، التي تضم أكثر من 40 خطة طوارئ وطنية.

توازنات القوى
ناقشت الجلسة الثالثة، بعنوان «القوة من خلال الشراكات: اصطفافات تعيد رسم توازنات القوى»، التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية، وانعكاسات الحرب على طبيعة التحالفات.
وأدار الجلسة بلال صعب، مدير مكتب تريندز في الولايات المتحدة، بمشاركة الدكتورة جودي وين، الباحثة في مركز الأمن والإستراتيجية الدوليين بجامعة تسينغوا ومديرة الاتصال الدولي في «منتدى الصين»، والبروفيسورة إيرينا زفياغيلسكايا، رئيسة مركز دراسات الشرق الأوسط في معهد بريماكوف الوطني لبحوث الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، وعدد من الشخصيات.

أمن الطاقة والتجارة
ركّزت الجلسة الرابعة، بعنوان «الترابط المرن: تأمين تدفقات الطاقة والتجارة في عصر التنافس الجيو-اقتصادي»، على تأثير التوترات الجيوسياسية في تدفقات الطاقة والتجارة والاستثمارات، وانعكاسات الاضطرابات البحرية على سلاسل الإمداد واستقرار الاقتصادات.
وأدارت الجلسة موزة المرزوقي، الباحثة الرئيسة ومديرة إدارة الدراسات الاقتصادية في «تريندز للبحوث والاستشارات»، بمشاركة البروفيسور كريستيان بويغر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كوبنهاغن وزميل معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح، والدكتورة كارين يونغ، الباحثة العلمية الأولى في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، وعدد من الشخصيات.

«الشرق الأوسط ما بعد الحرب» 
وضمن أعمال المؤتمر، دشّن «تريندز للبحوث والاستشارات» كتاب «الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، الذي يقدم قراءة استشرافية للتحولات التي تشهدها المنطقة في أعقاب المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
ويناقش الكتاب التداعيات الاستراتيجية للمواجهة، بما في ذلك تراجع فاعلية أطر الردع التقليدية، والتحولات الهيكلية في النظامين السياسي والإقليمي، والتأثيرات المباشرة في أسواق الطاقة العالمية وأمن الممرات البحرية.
كما يرصد التحولات الأمنية والسياسية داخل إيران عقب الحرب، والتغيرات في طبيعة الحروب والتسليح، ويحذّر من تصاعد تهديدات الجماعات المتطرفة.

ورشة عمل
عُقدت على هامش المؤتمر ورشة عمل بعنوان «تمكين الكفاءات الوطنية الشابة في قطاعات الطيران والخدمات الدفاعية»، تطرّقت إلى سبل تمكين الكفاءات الوطنية الشابة ودعم دورها في هذه القطاعات الحيوية، بمشاركة كلٍّ من حصة الشامسي، رئيس مجلس شباب جال، وشوق بن عمرو، مسؤول المالية، ودانا فايد، مسؤولة الفعاليات والمبادرات في المجلس.