طه حسيب (أبوظبي)

تحت عنوان «العلاقات الدولية والتحالفات.. الواقع الراهن والمعنى الاستراتيجي»، نظمت «شبكة أبوظبي للإعلام» النسخة الحادية والعشرين من «منتدى الاتحاد السنوي»، بمناسبة الذكرى السابعة والخمسين لصدور صحيفة «الاتحاد» التي تأسست في 20 أكتوبر عام 1969. 

وأكد الدكتور حمد الكعبي، الرئيس التنفيذي لمركز الاتحاد للأخبار، في كلمته الترحيبية، أن «مركز الاتحاد للأخبار» اختار موضوع «العلاقات الدولية والتحالفات» انطلاقاً من تطورات متلاحقة شهدتها المنطقة، منذ نهاية فبراير الماضي، وما شكّلته من تحديات غير مسبوقة، هددت أمن الطاقة وسلاسل التوريد، وامتدت تداعياتها إلى العالم كله، ما يؤكد حتمية التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات المشتركة، وبناء تحالفات تتطور وتتجدد في المجالات كافة، وتتيح فرصة أفضل للشعوب كي تُكرّس طاقاتها للتنمية والتقدم. 

وأضاف الدكتور الكعبي: «لا تزال المنطقة في أمسّ الحاجة لسلامٍ دائم، وهو هدف يتطلب تحالفات لا تضمن فقط قوة الردع لأعضائها، بل تفتح لهم أيضاً نافذةً أوسع على المستقبل عبر شراكات الاقتصاد والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وفي هذا المجال نجحت الإمارات في إبرام اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة بلغت حتى الآن 38 اتفاقية، والرقم يزداد شهراً تلو الآخر». 

وقدم اللواء الركن طيار متقاعد عبدالله السيد الهاشمي الكلمة الرئيسية للمنتدى، طارحاً 4 أسس للتحالفات: الأول مصلحة مشتركة واضحة. التحالف يولد من مصلحة أو تهديد يجمع أطرافه، فإذا غابت المصلحة ضعف التحالف مهما بقيت توقيعاته. والثاني التزام متبادل محدد. من يفعل ماذا ومتى، مكتوباً قبل الأزمة، لا مرتجلاً في أثنائها. والثالث مصداقية تسندها قدرة. الوعد الذي لا يملك صاحبه وسيلة تنفيذه لا يردع أحداً. الرابع تقاسم عادل للأعباء. الحليف الذي يأخذ ولا يعطي يتحول مع الوقت إلى عبء.
تحالفات تدوم بالثقة 
واستنتج الهاشمي أن التحالفات تبدأ من قوة الذات، وتُبنى على وضوح المصلحة، وتدوم بالثقة والوفاء بالالتزامات، مؤكداً أنه كلما امتلكت الدولة قدرة وطنية أمتن، اتسعت خياراتها، وتعزز موقعها شريكاً فاعلاً. وأوضح أن الواقع الراهن، على قسوته، يقول لنا إن الإمارات اختارت الطريق الصحيح: قوة تحمي، واقتصاد يربط، ودبلوماسية تجمع، وقرار مستقل لا يُرتهن. 

وقدم الإعلامي المصري توفيق عكاشة كلمة أشاد خلالها بتجربة الإمارات التنموية وإرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أنشأ «صندوق أبوظبي للتنمية»، الذي ساعد عدد كبير من الدول التي أصبحت علاقاتها مع الإمارات قوية جداً. واستنتج عكاشة أن أفضل التحالفات هي التحالفات الاقتصادية والعلمية، وهي ليست عسكرية فقط، تحالفات تقوم على التبادل العلمي والتكامل الاقتصادي. ومن دون الاقتصاد لن تكون هناك آلية عسكرية تعمل، ومن دون الأخيرة لن يستطيع الاقتصاد العمل، هناك تكامل بين الاقتصاد والقوة العسكرية، لا بد من تحالفات اقتصادية أولاً ثم تُبنى عليها تحالفات عسكرية. وأكد عكاشة أن الإمارات عززت مكانتها العالمية، فهي الأولى عربياً في الكثير من المؤشرات، وهي الأقوى عربياً من حيث التأثير والرؤية.
تحالفات غير أيديولوجية

المنتدى الذي قدمت فعالياته الإعلامية مها ياسر، خصص جلسة بعنوان «التحالفات الدولية الراهنة والمآلات»، وأدارها سعيد الصوافي، وقدم خلالها الدكتور رضوان السيد، عميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ورقة تطرح تساؤلاً مؤداه: كيف نقرأ التحالفات ونقيّمها؟. 
ويرى الدكتور السيد أن التحالفات الراهنة تحالفات غير أيديولوجية، تعكس تنوعاً في المصالح، وبمقدورها أن تساعد الدول على الاستقلالية الاستراتيجية، من الأجدى إصلاح الجامعة العربية وتقويتها، وكذلك مجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي. ودعا الدكتور السيد إلى تعميق الشراكة الخليجية والعربية بالدرجة الأولى، واستعادة الروح للبعدين العربي الخليجي، وفي الوقت نفسه لا ينبغي اليأس من النظام الدولي، أي الأمم المتحدة، من الضروري استعادة دور الأمم المتحدة. 
وفي مداخلة بعنوان «تحديات تفرض أسساً جديدة لبناء تحالفات المستقبل»، أوضح الدكتور محمد إبراهيم الظاهري، نائب مدير أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، أن ما بعد 28 فبراير مستحيل أن يكون مثل ما كان قبل 28 فبراير، داعياً لاتفاق خليجي مشترك للتعامل مع إيران.
وأضاف أن الإمارات  نجحت في تدشين ممرات بديلة لنقل الطاقة، وهي ممرات تستفيد منها أيضاً دول مجلس التعاون. وأشار الظاهري إلى نجاح الإمارات في إبرام أكثر من 38 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، وأصبح 75 % من دخلها يأتي من اقتصاد غير نفطي، وأن الإمارات بسياساتها الناجحة تشارك منذ عام 2022 في القمم السنوية لمجموعة العشرين، ولديها خيارات تجارية متنوعة مع الهند وأوروبا والصين، وتتنوع سلاسل الإمداد، بما يضمن الاستقلالية الاستراتيجية وعدم التعرض للضغوط، موضحاً أن الصين أكبر شريك للإمارات، والهند هي ثاني أكبر شريك، ولديها علاقات اقتصادية مع روسيا وأيضاً مع أوكرانيا. وفي الذكاء الاصطناعي تعد أميركا هي أكبر شريك للإمارات، التي تعمل على تنويع الاقتصاد وضمان الاستقلالية الاستراتيجية. 
وأكد الكاتب الإماراتي محمد فيصل الدوسري في مداخلته بالجلسة أن الإمارات انتقلت من التحالفات إلى الشراكة، وهذه الأخيرة الأطول والأكثر قدرة على البقاء، وأن التوترات التي شهدتها المنطقة في عام 2026 كانت اختباراً لسياسة الإمارات، خاصة ما يتعلق بشراكاتها الاستراتيجية، وهي اختبار نجحت خلاله في حماية أمنها الوطني، وحمت اقتصادها واستطاعت إدارة الأزمات بكل فعالية، وأوضح الدوسري أن لدى الإمارات شبكة من العلاقات المتنوعة، وبعد 2026 ينبغي اختيار الشركاء بطريقة مختلفة تحترم أجندة الإمارات الوطنية.  

وناقشت جلسة «التحالفات .. كيف تتطور وتتجدد؟»، وأدارها الإعلامي، حامد المعشني، وقدم السفير أحمد الحوسني ورقة عن: «تجارب عملية لتحالفات نجحت في مواجهة التحديات»، مستنتجاً حاجة منطقتنا بل والعالم للاستقرار والتنمية والتطلع للمستقبل بروح السلام والتعايش.. وهذا ما ينغي أن يكون البوصلة الرئيسية لأي تحالف.
وأشار الحوسني إلى أن المنطقة العربية صمدت أمام تحديات كبرى، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي نجحت في تحقيق النمو الاقتصادية وضمنت رفاهية شعوبها، وفي الوقت نفسه قدمت الدعم للدول العربية، في محطات مهمة، دول مجلس التعاون نجحت في مساعدة مصر خلال ثورات الربيع العربي، وأنقذت البحرين من اضطرابات 2011، وساندت الكويت بعد الغزو العراقي.
وقدّم د. عبدالله العوضي ورقة عن «التحالفات ضرورة فرضتها اضطرابات المنطقة»، أوضح خلالها أن المنطقة تشهد أزمات منذ ستينيات القرن الماضي، سواء ما يتعلق بالحروب العربية- الإسرائيلية، وحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وغزو الكويت ثم الغزو الأميركي للعراق، واضطرابات الربيع العربي ونظرية «الفوضى الخلاقة»، واستمرار الاضطرابات في بعض دول المنطقة، وصولاً إلى حرب «الـ 12 يوم» بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ثم حرب 28 فبراير 2026 التي لم تحسم بعد، وعلى وشك دخول شهرها الثامن. كل هذه الاضطرابات والحروب تستوجب - حسب العوضي - نوعاً من التحالف.

التحالف المنشود 

وأدارت الإعلامية دعاء الحمادي جلسة بعنوان: هل الأزمات تصنع التحالفات أم تطورها؟، وقدم الأكاديمي والدبلوماسي السابق الدكتور عبدالله جمعة الحاج، الورقة الرئيسية للجلسة بعنوان «أزمات كبرى اختبرت جوهر التحالفات»، مؤكداً التحالف المنشود ينبغي أن يكون «التحالف من أجل السلام والتنمية الشاملة المستدامة ومن أجل التقدم». هذا هو التحالف الذي أرجوه للمنطقة ولدولها ولجميع شعوبها.
وقال الحاج: هنا أنا أحاول أن أتفكر في معانٍ لمقولات حميدة وعبارات جيدة عن التعاون، وأقول لنفسي لماذا لا تلتزم دول المنطقة بهذه العبارات وتعض عليها بالنواجذ لأنها هي التي يمكن أن توصل دول وشعوب المنطقة إلى بر الأمان.

التحالف الناجح

أوضح الدكتور ذكر الرحمن، الدبلوماسي الهندي السابق، أن التحالف الناجح ليس الذي يحددُ عَدوَهُ فقط، بل الذي يحدد بوضوح السلام الذي يريد حمايته، والتنمية التي يريد إنجازها، والمستقبل الذي يريد أن يضمنه لشعوبه.
 وأضاف: المطلوب خليجاً آمناً وقوياً، وعالَماً عربياً أكثر استقراراً، وعلاقات إقليمية تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار. والمطلوب أن تصبح الشراكات وسيلة لتحقيق الازدهار لا مجرد ترتيبات لمواجهة الأخطار.
من جهته، أكد خليفة خالد، الكاتب والباحث في الفكر والشؤون الدولية، أن التحالف الحقيقي لا يُقاس بعدد الدول المنضوية تحته أو بحجم ترساناتها العسكرية، بل بوضوح أهدافه، وعدالة التزاماته وأعضائه، وقدرته على اتخاذ القرار، ومدى قبول الشعوب والدول المعنية به.