حسام عبدالنبي (أبوظبي)

أسهمت الإصلاحات الهيكلية واللوائح التقدمية والاستراتيجيات الوطنية ومبادرات التنويع الاقتصادي في دولة الإمارات ضمن أهم المحاور الرئيسية لتدفقات الثروات الدولية، حسب تقرير لبنك «يونيون بانكير بريفيه».
 وأوضح التقرير أن منطقة الشرق الأوسط بشكل عام شهدت على مر السنوات العشر الماضية تحولاً مالياً واجتماعياً واقتصادياً جذرياً، حيث نجحت خلال فترة قصيرة نسبياً في التحول من منطقة ترتكز في الأساس على موارد الطاقة إلى مركز متقدم لرؤوس الأموال العالمية والاستثمارات الخاصة، بينما شهدت العديد من الدول المتقدمة في المقابل تباطؤاً في النمو الاقتصادي والإنتاج بالتوازي مع ارتفاع الأعباء الضريبية على المستثمرين، عازياً هذا التقدم اللافت إلى الخطط طويلة الأمد والإصلاحات التنظيمية التي تبنتها دول المنطقة ولاسيما دولة الإمارات.
ووفقاً للتقرير، فإن هذا التطور ساعد على اجتذاب المزيد من رؤوس الأموال، ولا سيما مع هجرة الثروات من بعض الاقتصادات المتقدمة، مسترشداً على ذلك بنتائج تقرير هجرة الثروات الخاصة لعام 2025 الصادر عن «هينلي آند بارتنرز» والذي توقع أن يغادر 16500 مليونير المملكة المتحدة عام 2025، وأن تستقبل دولة الإمارات نحو 9800 من أصحاب الملاءة المالية العالية، والكثير منهم قادمون من المملكة المتحدة. 
وقال التقرير إن النجاح في التحول إلى مركز عالمي متقدم لرؤوس الأموال العالمية والاستثمارات الخاصة، لا يعد مجرّد نتيجة ثانوية لانتكاسات اقتصادية في مناطق أخرى حول العالم، حيث يرتكز على ثلاثة محركات رئيسية هي تدفق الثروات العالمية، ونضج منظومات إدارة الثروات المحلية، وتنامي التأثير العالمي عبر توظيف رؤوس الأموال، مشيراً إلى أن السياسات المُحفّزة لكفاءة الأنظمة الضريبية وبرامج الإقامة، بالإضافة إلى الارتباط الواسع مع الأسواق الناشئة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، جميعها عوامل جوهرية ساهمت في توفير بيئة مواتية لنمو رؤوس الأموال.

مقومات الإمارات
قال محمد عبد اللطيف، الرئيس المشارك لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «بنك يونيون بانكير بريفيه»، إن دولة الإمارات شهدت صافي تدفقات لنحو 6700 من الأفراد أصحاب الملاءة المالية العالية في عام 2024 وفق تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي. وأرجع تدفق الثروات العالمية إلى المنطقة إلى الكثير من العوامل، إذ يميل المستثمرون والمكاتب العائلية ورواد الأعمال إلى الإقامة والاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي بدافعٍ من الاستقرار الجيوسياسي، والإعفاء من ضريبة الدخل على الأفراد في دولة الإمارات، وسهولة الوصول الاستراتيجي إلى أسواق عالية النمو إذ تُوفر دبي على سبيل المثال منظومات أعمال متكاملة، ومن بينها مجموعة تيكوم، والتي تضم عشر مناطق أعمال مُتخصصة عبر ستة قطاعات اقتصادية، لافتاً إلى أنه لا يمكن أيضاً تجاهل جاذبية نمط الحياة، إذ تهتم العائلات كثيراً لوجود مدارس عالمية المستوى، وعقارات ممتازة، ومعدلات جريمة منخفضة للغاية.
 إدارة الثروات
وحسب عبد اللطيف، فإن نضج منظومات إدارة الثروات المحلية، يأتي مدعوماً ببنية تحتية رقمية متطورة وخدمات استشارية متقدمة للأعمال والثروات، حيث تطورت المؤسسات المالية الإقليمية لتقدم خدمات استشارية واستثمارية ومصرفية مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات الأفراد أصحاب الملاءة المالية العالية، كما ساهمت مبادرات في تحسين مستويات الكفاءة والشفافية، إلى جانب دمج العديد من منظومات إدارة الثروات تقنيات متقدمة لتقديم حلول مصممة حسب الطلب، مع التركيز على توظيف رؤوس الأموال، وإدارة الثروات، وتخطيط تعاقب الإدارة كركائز أساسية لحوكمة الشركات العائلية خلال فترات نمو الثروات.
وقال إن من أهم التوجهات التي يمكن رصدها تنامي التأثير العالمي للمنطقة، من خلال توسعها في توظيف رؤوس الأموال خارج حدودها، فصناديق الثروة السيادية والمستثمرون الأفراد وروّاد الأعمال يضخون استثماراتهم حول العالم، مما يمنحهم قوة ناعمة متنامية على الساحة الدولية، إذ تشير التقديرات إلى أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تتصدر نمو الثروات عالمياً، مع توقعات بأن تصل أصولها إلى 18 تريليون دولار بحلول عام 2030.

وأشار إلى أن هذا التدفق الخارجي يرسخ مكانة المنطقة في أوساط التمويل الدولية، ويقوي نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي على الساحة العالمية، إذ بات رأس المال الخليجي يساهم بوضوح في إعادة تشكيل النظام العالمي، منبهاً إلى أن تنامي ملكية الشرق الأوسط في أصول مهمة حول العالم «من الحصص المؤثرة في شركات التكنولوجيا الكبرى إلى مشاريع البنية التحتية» يعزز قدرة المنطقة على التأثير في دوائر صنع القرار الدولية وإعادة رسم توجهات رأس المال العالمي.
وفيما يخص التقلبات التي تسود العالم حالياً أفاد عبداللطيف، بأن تطوير منظومات قوية لإدارة الثروات، ووضع استراتيجيات وطنية عالية التركيز لاجتذاب تدفقات الاستثمارات الأجنبية، والتوظيف الفعال لرؤوس الأموال خارجياً، تمثل عوامل تمنح المنطقة قدرة فريدة على اغتنام كل فرصة ممكنة في عالم تسوده التقلبات.
وذكر أنه مع تحول مراكز الثقل الاقتصادي عالمياً، تعاد صياغة قواعد إدارة الثروات لترسي المنطقة معياراً جديداً في التوازن بين النمو والاستمرارية، داعياً الأفراد أصحاب الملاءة المالية العالية والمستثمرين وعائلات الأعمال إلى التعاون مع شركاء متخصصين لصياغة استراتيجيات تحمي إرثهم، وتتيح لهم الاستفادة من الفرص الفريدة التي توفرها منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، ومختتماً بالتأكيد على أنه رغم أننا نعيش اليوم في عالم مضطرب سريع التغير، غير أن المكانة المتميزة التي حققتها منطقة الشرق الأوسط كمركز جديد لرؤوس الأموال العالمية تبدو مرشحة لتكون راسخة ومستدامة.