دبي (الاتحاد)
 مع توجُّه دولة الإمارات لتحويل 50% من الخدمات والعمليات الحكومية لتطبق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة خلال عامين، وهو التزام يعد الأول من نوعه عالمياً، أصبحت البنية التحتية الرقمية الداعمة لهذا الطموح أولوية وطنية استراتيجية.

وفي منطقة الخليج، باتت مراكز البيانات تشكّل أصولاً استراتيجية ذات أهمية وطنية، وتواصل دول المنطقة توفير رؤوس الأموال والأراضي ومصادر الطاقة بوتيرة قلّ نظيرها في الأسواق العالمية حتى بات الأمر يتخطى مسألة بناء مراكز البيانات إلى «من يمتلك القدرة على إدارة وتنفيذ ما يتم بناؤه؟».
وأظهر التقرير السنوي الصادر عن شركة الاستشارات القيادية العالمية «راسل رينولدز أسوشيتس» حول تغير الحالة الوظيفية للرؤساء التنفيذيين عالمياً لعام 2025 أن 234 رئيساً تنفيذياً حول العالم تركوا مناصبهم خلال العام الماضي، بنسبة زيادة قدرها 21% مقارنةً بمتوسط ​​السنوات الثماني الماضية، مما يعكس تصاعد الضغوط المفروضة على القيادات التنفيذية في بيئات أعمال تتسم بالتعقيد والتغير المتسارع.
 وشهد قطاع التكنولوجيا انخفاضاً كبيراً في معدل التغييرات القيادية، حيث تراجع عدد الرؤساء التنفيذيين الذين غادروا مناصبهم في هذا القطاع من 40 حالة في عام 2024 إلى 20 حالة فقط في عام 2025، ويكشف ذلك عن ميل مجالس الإدارة إلى الحفاظ على الاستقرار القيادي لمواجهة التحديات الاستراتيجية والتشغيلية المتنامية، عدا عن قلة عدد التنفيذيين المؤهلين لقيادة مسؤوليات بهذا الحجم.في الوقت نفسه، تتنامى توقعات الحوكمة بوتيرة متسارعة، فقد أظهر تحليل حديث لشركة «راسل رينولدز أسوشيتس» - شمل 35 من أبرز مجالس إدارة مراكز البيانات حول العالم - أنه وبالرغم من تسارع وتيرة تجديد عضوية مجالس الإدارة منذ عام 2023، إلا أن فجوة القدرات لا تزال قائمة في عدد من المجالات الحيوية المرتبطة بالأداء المستقبلي، بما في ذلك الخبرة التشغيلية في مراكز البيانات الضخمة، والكفاءة التقنية، وقيادة القوى العاملة، والمرونة التشغيلية. وتشير النتائج إلى تحوّل جوهري في متطلبات القيادة الفعّالة، سواء على مستوى الرؤساء التنفيذيين أو مجالس الإدارة.
وبهذه المناسبة، قال كريستوفر برادلي، عضو في قسم الطاقة العالمي لدى شركة «راسل رينولدز أسوشيتس»: «قبل عقد من الزمن، كان النجاح في مراكز البيانات يُقاس بالموثوقية التشغيلية وتحقيق النمو التدريجي والمستدام. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المنصات استثمارات ضخمة كثيفة الاستهلاك للطاقة ورؤوس الأموال، وتحظى بأهمية استراتيجية وطنية متزايدة، فضلاً عن دورها المحوري في تنفيذ الأجندات الرقمية والاقتصادية للدول. ويتعين على الرؤساء التنفيذيين تحقيق مواءمة دقيقة بين استراتيجيات الطاقة، وتخصيص رؤوس الأموال، وإدارة العلاقات واسعة النطاق، وضمان التنفيذ التشغيلي على نطاق واسع، بينما يتعين على مجالس الإدارة امتلاك الخبرات اللازمة للإشراف على هذا المستوى من التعقيد بكفاءة ومصداقية».
وشهدت صلاحيات القيادة للرؤساء التنفيذيين في قطاع مراكز البيانات تحولاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة. فالقادة الجدد لم يعودوا مجرد مديرين للعمليات، وإنما بات يتعين عليهم المواءمة بين رأس المال، والبنية التحتية الرقمية، وإمدادات الطاقة، والأمن، واحتياجات العملاء، مع القدرة كذلك على التفاعل مع المهندسين والعلماء والمستثمرين والجهات التنظيمية وشركاء مراكز البيانات الضخمة. ويتعين على هؤلاء القادة أيضاً تطوير علاقات فعالة مع مزودي خدمات مراكز البيانات الضخمة باعتبار هذه العلاقات ركيزةً أساسيةً للنجاح التجاري، وذلك بالتوازي مع توظيف رؤوس الأموال الخاصة والسيادية بكفاءة وانضباط، والتعامل مع تحديات تكاليف الطاقة وأمن الإمدادات، وترسيخ القدرة والتميز التشغيلي على نطاق واسع، واستقطاب الكفاءات التقنية والتجارية الشحيحة أصلاً.
وتوفر دولة الإمارات بيئة متميزة لحفز الكفاءة القيادية فبدعم من رؤوس الأموال الخاصة والسيادية، وبرنامج تنويع اقتصادي طويل الأمد، تشهد الدولة توسعاً متسارعاً في مجال البنية التحتية الرقمية، مدعوماً بتوافر الأراضي، واقتصاديات الطاقة التنافسية، فضلاً عن محدودية القيود المرتبطة بالأنظمة التقليدية. وبينما يفتح هذا الزخم آفاقاً واسعة للنمو، فإنه يزيد في الوقت ذاته أهمية التنفيذ المنضبط والتخطيط طويل الأمد والتنظيم العميق.
وقالت ماري أوزموند لو روي دي لانوز مولين، مستشارة مجلس الإدارة، الرئيس التنفيذي في «راسل رينولدز أسوشيتس» بدبي: «تؤسس دولة الإمارات بنية تحتية للذكاء الاصطناعي على نطاق استثنائي وبطموحات غير مسبوقة. وستكون مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيون القادرون على تحقيق التوازن الصحيح بين القيادة والحوكمة والتنفيذ هم الذين سيرسمون ملامح البنية التحتية الرقمية في المنطقة خلال العقد القادم».
من جانبه، أشار الدكتور جان سي. كرون، عضو قطاع التكنولوجيا العالمية وممارسات مجالس الإدارة في «راسل رينولدز أسوشيتس»، إلى أن وتيرة التغيير المتسارعة تُعيد تشكيل نظرة مجالس الإدارة إلى جاهزية القيادات في المستقبل. وقال بهذا الخصوص: «أصبحت دورات التقدم التكنولوجي اليوم أسرع من نماذج التخطيط التقليدي للتعاقب الوظيفي. ولذلك تتجه مجالس الإدارة الأكثر تقدماً إلى توسيع نطاق البحث عن الكفاءات والخبرات المتخصصة في مجالات الحوسبة السحابية والبرمجيات والبنية التحتية الرقمية، وذلك بهدف بناء كوادر قيادية قادرة على مواكبة تطور هذا القطاع».
ومع تحول مراكز البيانات من أصول مدعومة بالعقارات إلى بنية تحتية بالغة الأهمية للاقتصاد الرقمي، ستصبح القيادات ذات الكفاءة - على مستوى الرؤساء التنفيذيين ومجالس الإدارة - العامل الحاسم في تحديد قدرة المؤسسات على تحويل الطموحات إلى نجاحات تجارية مستدامة.
في إطار مساعي دولة الإمارات إلى ترسيخ مكانتها قوةً عالميةً في عصر الذكاء الاصطناعي، قد تكون التكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للفرص، إلا أن القيادة الفاعلة والحوكمة الرشيدة والقدرة على التنفيذ هي العوامل التي ستُحدد مدى الاستفادة من هذه الفرص.