سيد الحجار (أبوظبي)
أكد عدنان أمين، عضو لجنة تحكيم جائزة زايد للاستدامة والمدير العام المؤسس السابق للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»، أن الإمارات اعتمدت خلال العقدين الماضيين تجربة رائدة فيما يتعلق بالاستثمار في الطاقة المتجددة، موضحاً أن الدولة باتت منصةً لتعزيز التعاون الدولي، تجمع الحكومات والقطاع الخاص وأصحاب الحلول المبتكرة في القطاع.
وقال أمين لـ«الاتحاد» إن جائزة زايد للاستدامة لا تكتفي بتكريم الحلول المبتكرة، بل تعمل على تذليل الطريق أمامها لتنتقل من فكرة مثبتة إلى تطبيق فعلي في المجتمعات التي تحتاجها، عبر فئاتها الست التي تشمل الصحة والغذاء والطاقة والمياه والعمل المناخي والمدارس الثانوية العالمية.

وأغلقت الجائزة باب المشاركة بدورتها لعام 2027، على رقم قياسي بلغ 10,233 مشاركة من 177 دولة، في أعلى نسبة مشاركة منذ انطلاقها قبل ثمانية عشر عاماً، مع قاسم مشترك واضح بين المشاركات هو تركّزها حول المرونة والقدرة على التكيّف والأثر على مستوى المنظومات.
وتكمن أهمية هذا الدور في أن الجائزة لا تراهن على الفكرة النظرية، بل على الحل الذي يثبت جدواه على الأرض ويمكن نقله وتطبيقه في سياقات مختلفة؛ فتسدّ بذلك الفجوة بين الابتكار والتطبيق في قطاعات تمسّ حياة الناس مباشرة، من الطاقة النظيفة والرعاية الصحية إلى الأمن الغذائي والمائي.
وتوزّعت المشاركات على فئات الجائزة الست التي تشمل الصحة والغذاء والطاقة والمياه والعمل المناخي والمدارس الثانوية العالمية، فيما جاء أكثر من ثلثي المشاركات من الاقتصادات النامية والناشئة، لتعكس اتجاهاً تتقدّم فيه الحلول من المناطق التي تشتد فيها القيود لا من حيث توفر الموارد.

خدمات أساسية
وقال أمين إن تصدّر المرونة لأولويات المتقدّمين ليس تطوراً عابراً، بل مؤشر على تحوّل أعمق يعيد تعريف قوة الدول؛ من الكفاءة بوصفها الغاية، إلى المرونة بوصفها شرط البقاء.
وأوضح أن المرونة ليست مجرد القدرة على التعافي من الاضطراب، بل هي القدرة على استباق المخاطر واستيعاب الضغوط والاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية رغمها، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب أنظمة لا تكتفي بالكفاءة، بل تكون قابلة للتكيّف وموزّعة ومتينة في آنٍ واحد، وأن الجوهر يكمن في الوصول إلى المجتمعات مبكراً بدل الاستجابة متأخرين.
وأشار أمين إلى أن هذا التحوّل يظهر بأوضح صوره في القطاعات التي تقوم عليها الحياة اليومية، وهي الطاقة والصحة والغذاء والمياه، لافتاً إلى أن تحوّل الطاقة كان يُطرح غالباً بوصفه ضرورة مناخية، لكنه اليوم مسألة أمن وطني بالدرجة الأولى، وأن خفض الانبعاثات بات مرادفاً للأمن والموثوقية.
وأضاف أن الطاقة المتجددة أصبحت المصدر الأرخص للكهرباء في غالبية الدول، وأنها حين تقترن بأنظمة التخزين والإدارة الرقمية للشبكات تتيح منظومات لامركزية أكثر جدوى اقتصادياً، مؤكداً أن الدول التي تستثمر في تنويع مصادر طاقتها لا تخفض انبعاثاتها فحسب، بل تُحصّن محرّكها الاقتصادي بأكمله من المخاطر.
وفي ما يتعلق بالقطاع الصحي، قال أمين إن الأزمات الصحية الأخيرة أظهرت حدود النماذج المركزية المحدودة الطاقة الاستيعابية، موضحاً أن الأنظمة الصحية المرنة هي التي تمتد إلى ما هو أبعد من المستشفيات، فتدمج الرعاية الأولية والتشخيص الرقمي وآليات التقديم المحلية، وأن القدرة على الوصول إلى المجتمعات مبكراً باتت عاملاً فارقاً في النتائج الصحية.
وبشأن أنظمة الغذاء، أوضح أنها صُمّمت طويلاً على أساس الحجم والتوزيع العالمي، وأنها تخضع اليوم لمراجعة جادة بفعل تقلّب المناخ واضطراب سلاسل الإمداد وشحّ الموارد، إضافة إلى تهديدات النزاعات لسلاسل التوريد المرتبطة بالأمن الغذائي العالمي، مبيّناً أن الأنظمة المرنة هي التي توازن بين التجارة العالمية والاعتماد الإقليمي على الذات.
وأضاف أن المياه تطرح تحدياً أكثر تعقيداً، إذ سيتجاوز الطلب العالمي على المياه العذبة العرضَ بنسبة 40% بحلول عام 2030 بحسب الأمم المتحدة، مؤكداً أن مواجهة الندرة وفجوات البنية التحتية تتطلب مقاربات متكاملة تجمع بين التقنية والسياسات وتغيير السلوك، من التحلية المتقدمة إلى الري الذكي وإعادة استخدام المياه.
وشدّد أمين على أن المرونة لا تُبنى في عزلة، فهي منظومية بطبيعتها، موضحاً أن الطاقة تشغّل المياه والصحة، والمياه تسند الزراعة، والغذاء يعتمد عليهما معاً، وأن أي ضعف في قطاع واحد ينتقل سريعاً إلى بقية القطاعات.

تجربة إماراتية
وتناول التجربة الإماراتية في هذا الإطار، مشيراً إلى أن الدولة اعتمدت خلال العقدين الماضيين استراتيجية مدروسة لدمج المرونة عبر القطاعات، فاستثمرت في الطاقة المتجددة، وطوّرت تقنيات المياه، وعزّزت البنية التحتية الصحية، ودعمت الابتكار الزراعي في البيئات الجافة، لافتاً إلى أن الأهم هو أن هذه المقاربة لم تنحصر في الأولويات المحلية، بل موضعت الإمارات منصةً للتعاون الدولي تجمع الحكومات والقطاع الخاص وأصحاب الحلول المبتكرة.
وأوضح أمين أن جائزة زايد للاستدامة تمثّل إحدى أبرز الآليات التي تترجم هذا الفهم إلى واقع، إذ لا تكافئ الفكرة النظرية بل الحل الذي يثبت قدرته على إحداث أثر ملموس على الأرض، مبيّناً أن كثيراً من الحلول التي تصل إليها ينشأ في المناطق التي تشتد فيها القيود، حيث تفرض ندرة الموارد ومحدودية البنية التحتية والضغوط البيئية مقاربات عملية قابلة للتكيّف، وهي مصمّمة للمرونة منذ لحظتها الأولى ما يجعلها قابلة للنقل والتطبيق عبر جغرافيا مختلفة.
«الجائزة لا تكافئ الفكرة النظرية، بل الحل الذي يثبت قدرته على إحداث أثر ملموس على أرض الواقع»

تنمية مستدامة
تُعدّ جائزة زايد للاستدامة، التي انطلقت عام 2008 تخليداً لإرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وقيمه الإنسانية، من أبرز المنصات العالمية في مجال التنمية المستدامة، إذ أسهمت من خلال 139 فائزاً على مدى دوراتها في تحسين حياة أكثر من 411 مليون إنسان حول العالم. ويبلغ إجمالي القيمة المالية للجائزة في دورتها الحالية 7.2 مليون دولار.
ومن المقرر الإعلان عن الفائزين في دورة 2027 خلال حفل توزيع جوائز زايد للاستدامة في الثاني عشر من يناير 2027، حيث يحصل كل فائز في الفئات المؤسسية على مليون دولار، وكل مرشح نهائي على 150 ألف دولار. كما تحصل ست مدارس ثانوية فائزة تمثّل مناطق العالم المختلفة على 150 ألف دولار لكل منها، في حين تحصل كل مدرسة من المرشحين النهائيين على 25 ألف دولار، وذلك لتنفيذ مشاريعها أو توسيعها.