دبي (الاتحاد) أكدت شركة «آرثر دي ليتل» أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقود مرحلة جديدة من التحول الإقليمي نحو العملات الرقمية المستقرة الخاضعة للتنظيم، وذلك بالتزامن مع توجُّه الحكومات إلى تطوير بدائل منسجمة مع سياساتها السيادية لمواكبة النمو المتسارع للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأميركي.

وأشارت الشركة في إصدارها الأول، ضمن سلسلة تقارير حول الأصول الرقمية والتمويل عبر شبكات البلوك تشين، إلى أن مشهد العملات المستقرة عالمياً يشهد تحوّلاً جذرياً، فبدلاً من المفاضلة بين السماح بانتشار العملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأميركي أو فرض قيود عليها، تتجه أعداد متزايدة من الدول والسلطات التنظيمية نحو مسار ثالث، يقوم على السماح بتداول العملات المستقرة العالمية الخاضعة للتنظيم، بالتوازي مع تطوير بدائل مرتبطة بالعملات المحلية.

 

وحدّد التقرير الذي يحمل عنوان «عصر العملات المستقرة السيادية: المحاكاة بدلاً من التصدي»، دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها النموذج الإقليمي الرائد لهذا التوجه الناشئ، مشيراً إلى أنه منذ إرساء أول إطار تنظيمي شامل في منطقة الشرق الأوسط للعملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالعملات الرسمية في عام 2024، شهدت الدولة تطور العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم والمدعومة بالدولار، بالتوازي مع بناء منظومة للعملات الرقمية المرتبطة بالدرهم الإماراتي.

وشمل ذلك إطلاق العملة المستقرة «DDSC»، بدعم من الشركة العالمية القابضة، وشركة سيريوس إنترناشيونال هولدينج، وبنك أبوظبي الأول، في خطوة تعكس استراتيجية مدروسة ذات مسارين، تقوم على إتاحة العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم والمدعومة بالدولار لدعم الأنشطة الدولية والمعاملات العابرة للحدود، بالتوازي مع تطوير بنية تحتية لعملات مستقرة مرتبطة بالدرهم الإماراتي، بما يخدم الاستخدام المحلي ويمهد لتوسيع نطاق استخدامها إقليمياً.

خيارات

 

وقال أرجون فير سينغ، الشريك والرئيس العالمي لقطاع التكنولوجيا المالية والمدفوعات والأصول الرقمية لدى شركة «آرثر دي ليتل»، والمشارك في إعداد التقرير: «تبرهن دولة الإمارات على أن العملات المستقرة المدعومة بالدولار والمنظومة المحلية للعملات الرقمية تُمثّل بالضرورة خيارات متنافسة، إذ يمكن للأدوات المالية العالمية مواصلة دعم التدفقات والمعاملات الدولية، في حين تسهم منظومة «الدرهم الرقمي» الخاضعة للتنظيم في دعم الأنشطة المحلية والإقليمية. ويعزّز هذا النهج مكانة دولة الإمارات، ليس بوصفها مجرد دولة تتبنّى حلول التمويل الرقمي، بل سوقاً تسهم في رسم ملامح تعايش العملات الرقمية الخاضعة للتنظيم ضمن مختلف مستويات النظام المالي».

مرحلة جديدة

وأوضح التقرير أنه على الرغم من استمرار هيمنة العملات المستقرة المدعومة بالدولار، بحصة تقارب 97% من السوق التي يغطيها التقرير، والبالغة قيمتها قرابة 312 مليار دولار، فإن العملات المستقرة غير المرتبطة بالدولار تسجّل توسعاً لافتاً. فقد ارتفع عدد مالكيها بنسبة 2,900% خلال الفترة من يناير 2023 إلى فبراير 2026، ليصل إلى 1.2 مليون مالك. وأشار التقرير إلى أن النمو المتسارع للبدائل غير المرتبطة بالدولار لا يشير إلى تراجع هيمنة العملة الأميركية، بل من المرجّح أن يعكس توجهاً نحو توزيع الأدوار بين العملات والأدوات المالية المختلفة.

إذ يُتوقع أن تواصل العملات المستقرة المدعومة بالدولار أداء دور محوري في تسوية المعاملات الدولية، بالتوازي مع تنامي دور الأدوات المدعومة من الحكومات والمقومة بالعملات المحلية في المدفوعات المحلية والإقليمية.

ووصف التقرير هذا التوجه الناشئ بأنه «المحاكاة بدلاً من التصدي»، حيث تستجيب الحكومات للنمو المتسارع للعملات المستقرة المدعومة بالدولار الأميركي عبر تطوير بدائل خاصة تتسم بالمصداقية وخاضعة للتنظيم.

دول التعاون

وأشار التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بميزة هيكلية ضمن المنظومة الناشئة للعملات الرقمية، إذ يمكن للاقتصادات الخليجية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي تطوير عملات مستقرة مرتبطة بالعملات المحلية، تجمع بين الاستقرار الاقتصادي المرتبط بالدولار، والخضوع للرقابة التنظيمية الوطنية، والاحتفاظ بالاحتياطيات محلياً. وبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، يتيح هذا التوجه فرصة للعملات الرقمية المدعومة بالدرهم للقيام بدور يتجاوز نطاق المعاملات المحلية.

وحدّدت شركة «آرثر دي ليتل» منظومة المدفوعات الإقليمية، بما تشمله من تجارة وتحويلات مالية ومعاملات عابرة للحدود، بوصفها مجالاً واعداً لا يزال مفتوحاً للمنافسة، مع إمكانات لتوسيع توظيف البنية التحتية الرقمية القائمة في دولة الإمارات لخدمة التدفقات المالية والتجارية ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، وعبر الممرات التجارية التي تربط منطقة الخليج بأفريقيا وجنوب آسيا.

بدوره سلّط الدكتور محمد نيكار، مدير مشاريع في قطاع الخدمات المالية لدى شركة «آرثر دي ليتل» في الشرق الأوسط، والمشارك في إعداد التقرير، الضوء على الفرص الناشئة على المستوى الإقليمي، قائلاً: «لم يَعُد السؤال المطروح أمام البنوك ومزوّدي خدمات الدفع هو ما إذا كانت ستدخل مجال العملات المستقرة فحسب، بل أي عملة ستتبنّى، وأي منظومة دفع ستعمل ضمنها، وأي فئات من المتعاملين والممرات التجارية التي يرغبون في خدمتها. لا يزال المجال الإقليمي مفتوحاً أمام فرصاً واعدة، ما يمنح دولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي دوراً محورياً في صياغة مستقبل حركة الأموال عبر عدد من أبرز الممرات التجارية العالمية».

 

فرص

وحدّد التقرير فرصة استراتيجية محدودة المدة في أفريقيا، التي تُمثل سوقاً مهمة لممرات التجارة والتحويلات المالية المرتبطة بدول الخليج العربي. وتتصدر منطقة أفريقيا جنوب الصحراء دول العالم في معدل تبني العملات المستقرة نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث تجاوزت قيمة التحويلات المنفّذة عبر شبكات البلوك تشين 56 مليار دولار أميركي بين الربعين الأولين من عامي 2024 و2025.

وفي ظل اعتماد معظم هذه التدفقات حالياً على بنية تحتية مرتبطة بالدولار، تشير تقديرات «آرثر دي ليتل» إلى وجود نافذة زمنية تتراوح بين 24 و36 شهراً قبل أن تتجه التدفقات الإقليمية إلى الاستقرار ضمن بنى مالية متوافقة مع التوجهات السيادية أو مسارات قائمة على الدولار.

ويكتسب هذا الإطار الزمني أهمية مباشرة للمؤسسات العاملة في دولة الإمارات، والتي تخدم ممرات التجارة والتحويلات بين الخليج وأفريقيا.

 ميزة تنافسية

وأشار التقرير إلى أنه لم يَعُد من الملائم أن تتعامل المؤسسات المالية مع العملات المستقرة باعتبارها سوقاً واحدة، في ظل تبلور منظومة جديدة للمدفوعات تشمل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ويمكن أن تؤدي ضمنها الأشكال المختلفة من العملات الرقمية أدواراً متخصصة تلبّي احتياجات وأغراضاً متباينة. ويتيح هذا التحول للبنوك القائمة فرصاً جديدة، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه تحديات تنافسية متزايدة. لذا، يتعين على المؤسسات المالية تحديد الدور الذي تسعى إلى الاضطلاع به، في وقت تتنافس فيه البنوك وشركات التكنولوجيا المالية ومزوّدو البنية التحتية على بناء واجهات الخدمات المقدمة للمتعاملين، وأنظمة التسوية، وحلول المدفوعات العابرة للحدود ضمن المنظومة الرقمية الناشئة.

أما بالنسبة إلى صنّاع السياسات، فمن المتوقع أن ينتقل التحدي المقبل بصورة متزايدة من تنظيم العملات المستقرة ضمن كل سوق على حدة، إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني والاعتراف المتبادل بين الأطر التنظيمية المعتمدة. واختتمت «آرثر دي ليتل» تقريرها بالتأكيد على أن صعود العملات المستقرة السيادية لن يؤدي بالضرورة إلى إضعاف مكانة الدولار الأميركي عالمياً، وإنما يمهّد لظهور منظومة عالمية للمدفوعات متعددة المستويات.

وفي هذه المنظومة، تواصل العملات المستقرة المدعومة بالدولار أداء دور محوري في المعاملات الدولية، بالتزامن مع تنامي المنافسة من البدائل المدعومة من الحكومات على المستويين المحلي والإقليمي.