الشارقة (الاتحاد)

استعرض فارون مايا، رائد الأعمال الهندي ومطوّر الذكاء الاصطناعي ومؤسس شركة «Aeos» المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تجربة شركة «Pocket FM» في خفض تكلفة إنتاج المحتوى من نحو ألف دولار إلى 50 دولاراً للساعة، بانخفاض نسبته 95%، وفقاً لتقديراته، في مثال على التحولات التي تحدثها تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإنتاج الرقمي، وما تتيحه للشركات من فرص لخفض النفقات وتسريع العمليات وتوسيع نطاق أعمالها.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان «ما بعد اليوم: الاستثمار في اقتصاد المستقبل»، ضمن فعاليات «منتدى الشارقة للاستثمار 2026»، أكد خلالها مايا أن انخفاض تكاليف إنتاج المحتوى وتطوير التطبيقات يعيد تشكيل المنافسة بين الشركات، ويجعل امتلاك قنوات فعالة لتوزيع المنتجات والوصول إلى الجمهور المستهدف وبناء علاقات مستمرة معه من أبرز عوامل النجاح.
كما استعرض تجربته في تأسيس شركة تحقق نحو 1.5 مليار مشاهدة شهرية عبر 10 قنوات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المواد المرئية والتسويق والتوظيف، إلى جانب المخاطر الأمنية المرتبطة بتقنيات استنساخ الأصوات.
وسلط مايا الضوء على التحولات التي أحدثتها أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الفيديوهات والتصاميم والمواد الصوتية، موضحاً أن هذه التقنيات تتيح تنفيذ أعمال كانت تتطلب في السابق موارد بشرية وتجهيزات إنتاجية أكبر، بما يسهم في خفض التكاليف واختصار الوقت اللازم لإنجازها.
واستشهد بتجربة شركة «Pocket FM»، التي انخفضت تكلفة إنتاج المحتوى لديها، بحسب تقديراته، من نحو ألف دولار للساعة إلى 50 دولاراً، بنسبة 95%، مشيراً إلى أن مثل هذه التطبيقات تعكس حجم التغير الذي تشهده أساليب الإنتاج مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي.
كما أشار إلى استخدام شركات، من بينها «Trivago»، تقنيات الشخصيات الافتراضية لتكييف الإعلانات مع أسواق متعددة، بما يتيح تقديم محتوى يتناسب مع لغات الجماهير المختلفة، ويقلص الوقت اللازم لعمليات الإنتاج.
وأوضح أن بعض مقاطع الفيديو التي أنتجها خلال السنوات الثلاث الماضية اعتمدت على شخصيات افتراضية وأصوات اصطناعية وعناصر بصرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، مستعرضاً أمثلة لمقاطع حققت ملايين المشاهدات، من بينها مقطع لإحدى شخصياته الافتراضية وصل إلى نحو 30 مليون مشاهدة.
وأشار إلى أن شركته تمكنت من إنتاج 185 تصميماً بصرياً للعلامات التجارية خلال ثلاثة أيام، باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والقوالب المرجعية لإعداد تصاميم متنوعة.
وذكر أن التكلفة الإجمالية لإنتاج ثلاثة مقاطع باستخدام تقنيات توليد المشاهد المرئية بلغت نحو 75 سنتاً، وفقاً للأمثلة التي عرضها، موضحاً أن هذه الأدوات تتيح تقليص النفقات المرتبطة بالتصوير التقليدي، بما يشمل الاستعانة بالممثلين وتجهيز مواقع التصوير والإضاءة وتغيير الملابس والخلفيات.
وفي حديثه عن مستقبل المنافسة في قطاع الأعمال، أكد مايا أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على كتابة النصوص والأكواد البرمجية، وتطوير التطبيقات، وإنتاج مقاطع الفيديو، ما يتيح للشركات ورواد الأعمال تنفيذ أعمال متنوعة بموارد أقل، لكنه يزيد في الوقت نفسه من حدة المنافسة على جذب انتباه المستخدمين.
وأوضح أن الميزة التنافسية لم تعد تقتصر على امتلاك منتج جيد أو القدرة على إنتاجه بتكلفة منخفضة، بل تشمل أيضاً امتلاك قنوات فعالة لتوزيعه والوصول إلى العملاء، مشيراً إلى أن سهولة إنتاج المحتوى تجعل بناء قاعدة جماهيرية مهتمة بالمنتج أو الخدمة والحفاظ على التواصل معها عاملاً حاسماً في استدامة الأعمال.
وأضاف أن الشركات التي تنجح في بناء علاقات مستمرة مع جمهورها تكون أكثر قدرة على الاستفادة من الإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، في ظل تزايد حجم المحتوى المتاح واشتداد المنافسة على الوصول إلى الجمهور المستهدف.
واستعرض مايا تجربته في تأسيس شركة بدأت أعمالها من غرفة نومه قبل نحو ثلاث سنوات، ونمت حتى وصل عدد موظفيها إلى قرابة 600 موظف، فيما يحقق محتواها باللغة الإنجليزية نحو 1.5 مليار مشاهدة شهرياً عبر 10 قنوات، بحسب ما ذكره، مع اعتماد الشركة على التمويل الذاتي من دون الاستعانة بمستثمرين.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي شكّل عنصراً أساسياً في تحقيق هذا النمو، مشيراً إلى أن إنتاج نحو 2000 فيديو شهرياً بالأساليب التقليدية كان سيكلف الشركة ما يقارب عشرة أضعاف التكلفة الحالية، وفقاً لتقديراته.
وأشار إلى أن التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي يمنح رواد الأعمال فرصاً لتطوير مشروعاتهم وتوسيع نطاق عملياتهم، حتى مع محدودية الموارد المتاحة خلال المراحل الأولى من تأسيسها، من خلال إنتاج كميات أكبر من المحتوى بكفاءة أعلى وتكاليف أقل.
وتناول مايا استخدامات الذكاء الاصطناعي في تطوير عمليات التوظيف وبناء العلاقات المهنية، موضحاً أن الأدوات الذكية يمكن أن تساعد الشركات على تحديد الكفاءات المناسبة، والبحث عن المتخصصين عبر المنصات الرقمية، وإعداد رسائل أولية للتواصل معهم.
ودعا الشركات ورواد الأعمال إلى الاستفادة من هذه الإمكانات لتوسيع نطاق البحث عن المواهب، بدلاً من الاعتماد حصراً على الأساليب التقليدية في استقطاب الموظفين، مشيراً إلى أن توظيف هذه التقنيات قد يسهم في اختصار الوقت اللازم للوصول إلى المرشحين المناسبين.
وفي المقابل، حذّر مايا من المخاطر الأمنية المرتبطة بتطور تقنيات استنساخ الأصوات، موضحاً أن بعض الأدوات باتت قادرة على محاكاة صوت شخص اعتماداً على تسجيل قصير للغاية، ما يزيد من احتمالات انتحال الهوية واستغلال الأصوات الاصطناعية في عمليات الاحتيال.
ونصح الأسر بالاتفاق على كلمة سر خاصة للتحقق من هوية أفرادها عند تلقي مكالمات مثيرة للشك، ولا سيما تلك التي تتضمن طلبات عاجلة أو ادعاءات بوجود حالات طارئة، مؤكداً أهمية تعزيز الوعي بهذه المخاطر ومواكبة التطور التقني بممارسات أكثر أماناً.
واختتم مايا حديثه بالتشجيع على تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من إمكاناتها العملية، داعياً رواد الأعمال والمبدعين إلى توظيفها في تطوير أفكارهم وتوسيع أعمالهم، مع الحفاظ على الابتكار والتميز في بيئة تتزايد فيها سهولة إنتاج المحتوى وتشتد فيها المنافسة على جذب الجمهور.