حسام عبدالنبي (أبوظبي)
توفر البيئة الرقمية والتنظيمية في دولة الإمارات تحديداً، مساحة واسعة للمؤسسات لكي تفكر بطريقة مختلفة في كيفية تطوير الخدمات المالية، حسب تقرير صادر عن مجموعة «الرمز» المُدرَجة في سوق دبي المالي. وأكد التقرير أن الهوية الرقمية، وتطور البنية التحتية للأسواق، وتحديث الأطر التنظيمية، والاستعداد لتبنّي التقنيات الجديدة في الإمارات، جميعها عوامل ساعدت المؤسسات المالية على إعادة النظر في الطريقة التي تقدم بها خدماتها لعملائها، حيث الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي.
وتوقّع التقرير أن تتجاوز قيمة السوق العالمية لمنصات التداول المدعومة بالذكاء الاصطناعي 33 مليار دولار بحلول عام 2030، بعد أن بلغت نحو11 مليار دولار في عام 2024، مشيراً إلى حدوث تحوّل هيكلي أوسع في تقديم الخدمات المالية، اعتماداً على الذكاء الاصطناعي الذي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من تطوير استراتيجيات التداول، واختبارها وتنفيذها وتحسينها، لاسيّما في دولة الإمارات.

ويرى التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيّما الإمارات، تتمتع بمقوّمات قوية للاستفادة من هذا التحول نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ولا يعود ذلك فقط إلى سرعة تبنّي التكنولوجيا، بل أيضاً إلى أن أسواق رأس المال في المنطقة تمرّ بمرحلة متقدمة من التطور، وهو ما يتيح لها فرصة الاستفادة من التقنيات الجديدة، دون التقيد دائماً بالنماذج التقليدية، مشدداً على أن المنطقة تجمع اليوم بين أسواق مالية تزداد عمقاً وتطوراً، وقاعدة متنامية من المستثمرين، وبنية تحتية رقمية قوية، إلى جانب توجُّه حكومي واضح نحو تبنّي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. قرارات أكثر استنارة ووفقاً لتقرير مجموعة «الرمز»، فإن ملامح هذا التحول في الأسواق المالية، بدأت تتضح بالفعل، فالقرارات الاستثمارية التي كانت تعتمد في السابق بصورة رئيسية على الخبرة والتقدير والقدرة على الوصول إلى المعلومات، أصبحت اليوم مدعومة بشكل متزايد بالبيانات والأتمتة وأدوات تحليل أكثر تطوراً. وقال التقرير إن الفرصة الحقيقية هنا لا تكمن في الأتمتة بحدّ ذاتها، وإنما في توظيفها لمساعدة المستثمرين على اتخاذ قرارات أكثر استنارة وإدارة المخاطر بصورة أكثر فاعلية، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا في الخدمات المالية يجب أن تُقاس بما تحققه من نتائج أفضل للمستثمرين، ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي يضيف اليوم أداة جديدة وقوية لتحقيق ذلك.
ويرى تقرير «الرمز» أن التكنولوجيا ساعدت بالفعل على توسيع نطاق الوصول إلى الأسواق المالية، إلا أن الذكاء الاصطناعي قادر على الذهاب إلى أبعد من ذلك، إذ أن المنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على معالجة كميات ضخمة من البيانات في الوقت الفعلي، ورصد العلاقات والأنماط التي قد يصعب ملاحظتها بالطرق التقليدية، ومساعدة المستثمرين على تحويل هذا الكم من المعلومات إلى رؤى يمكن الاستفادة منها عملياً.
وأوضح أن مساعدة المستثمر على فهم الفرص والمخاطر بشكل أفضل هي التي يمكن أن تحدث الفارق الحقيقي في جودة القرار والنتيجة الاستثمارية. ولفت إلى أن أدوات مثل تحليل المحافظ، وعمليات الفرز المتقدمة، والنماذج الكمية، والدعم الاستثماري الأكثر تخصيصاً، كانت في السابق متاحة بدرجة أكبر للمستثمرين المؤسسيين، لكنها تتجه اليوم لتصبح في متناول شريحة أوسع من المستثمرين، منبّهاً بأن دور الذكاء الاصطناعي بات لا يقتصر على رفع الكفاءة، بل يمكنه أيضاً أن يساهم في تقليص جانب من الفجوة في المعلومات والقدرات بين مختلف فئات المستثمرين.

وقال هيثم عضيمة، الرئيس التنفيذي للخدمات المالية في مجموعة «الرمز»، إن التنفيذ الأسرع في الأسواق المالية لا يعني بالضرورة قراراً أفضل، لأن القيمة الحقيقية تكمن في الجمع بين السرعة وجودة التحليل والانضباط في إدارة المخاطر، مبيناً أنه يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي متابعة ظروف السوق بصورة مستمرة، ورصد التحركات غير الاعتيادية، واختبار أداء المحافظ في ظل سيناريوهات مختلفة، وتنبيه المستثمر عندما تبدأ مؤشرات المخاطر في تجاوز الحدود التي حددها مسبقاً.
وذكر عضيمة، أنه من واقع التجربة العملية لا يعاني المستثمرون في الغالب من نقص المعلومات، بل من كثرتها وصعوبة تحليلها في الوقت المناسب، إذ أن الأسواق الخليجية على سبيل المثال تتأثر في آن واحد بأسعار الفائدة العالمية، وأسعار الطاقة، وتدفقات رؤوس الأموال الدولية، والتطورات الإقليمية، إلى جانب التحولات المستمرة في سلوك المستثمرين وتركيبة المشاركين في السوق. وأضاف أن القدرة على جمع هذه العوامل وتحليلها بصورة أسرع وأكثر تكاملاً يمكن أن ترفع جودة القرار الاستثماري، وأن تساعد أيضاً على اتخاذه في التوقيت المناسب، منوهاً بأن الميزة الحقيقية تكمن في الوصول إلى المعلومة ذات الصلة في وقت أبكر، وفهمها بصورة أفضل، ثم تحويلها إلى قرار أكثر دقة.
وأوضح عضيمة، أن المؤسسات والمستثمرين الذين سيحققون أكبر استفادة من الذكاء الاصطناعي لن يكونوا بالضرورة أولئك الذين يؤتمتون أكبر عدد من العمليات، وإنما الذين يعرفون أين يمكن للتكنولوجيا أن تُحسِّن عملية اتخاذ القرار فعلياً، وأين تظل الخبرة والمساءلة والعلاقات والتقدير البشري عناصر لا يمكن الاستغناء عنها، مختتماً بالتأكيد على أن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة يمكن أن يساهم في بناء مستثمرين أكثر وعياً، وأسواق أكثر كفاءة، ومنظومة أسواق رأسمال أكثر عمقاً وقدرة على استقطاب الاستثمارات ودعم النمو الاقتصادي.