طور باحثون روبوت دردشة متخصصا أطلقوا عليه اسم نورا (Noora)، يساعد المصابين باضطراب طيف التوحد على ممارسة المهارات الاجتماعية.
أظهرت الأبحاث أن ممارسة التفاعلات الاجتماعية مع المتخصصين في التدخل السريري المباشر يمكن أن تُحسّن نتائج المصابين بهذا المرض، ولكن هذه الحلول غالبًا ما تكون مكلفة أو غير متاحة على نطاق واسع.
لين كوغل، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية السريرية في جامعة ستانفورد، والبروفيسورة مونيكا لام من قسم علوم الحاسوب في ستانفورد، هما مؤلفتا دراسة جديدة نُشرت في "مجلة التوحد واضطرابات النمو" (Journal of Autism and Developmental Disorders)، وتبحث في دور الذكاء الاصطناعي في سدّ هذه الفجوة.
قالت كوغل "أظهر بحثنا أن العمل وجهاً لوجه يُحسّن التواصل الاجتماعي... لذا، أردنا أن نرى إن كان بإمكاننا تطبيق ذلك على استخدام الحاسوب". وأضافت "تُعدّ إمكانية الوصول بالغة الأهمية لأن الكثير من الناس لا يستطيعون الوصول إلى مُقدّم خدمات وجهاً لوجه، وقد تكون تكاليف هذه الخدمات باهظة للغاية".
الروبوت نورا
في هذا البحث، قيّمت كوغل وزملاؤها التفاعلات بين المشاركين المصابين باضطراب طيف التوحد الذين يعانون من صعوبات في التفاعل الاجتماعي، و"نورا"، وهي روبوت دردشة مصمم باستخدام نموذج لغوي كبير.
في التفاعلات الفردية، التي يمكن كتابتها أو نطقها، تقدم "نورا" إرشادات فردية حول عدد من سيناريوهات التواصل الاجتماعي؛ فهي تساعد المستخدمين على تعلم طرح الأسئلة، وتقديم المجاملات، والاستجابة بتعاطف، وتساعد في مجالات أخرى من التواصل الاجتماعي غالبًا ما تكون صعبة.
في هذا العمل، ركزت كوغل على تأثير وحدة التعاطف الخاصة بالروبوت "نورا". يقدم روبوت الدردشة أولاً عبارة رئيسية، مثل "أشعر بالتعب الشديد مؤخرًا، ويصعب عليّ التركيز"، ثم يطلب من المستخدم تقييم ما إذا كانت العبارة إيجابية أو محايدة أو سلبية. بعد ذلك، تُقيّم "نورا" هذه الإجابة وتطلب من المستخدم الرد بتعاطف على العبارة الأولية. بناءً على ما إذا كان المستخدم يستجيب بتعاطف بنجاح، تقدم "نورا" إما تصحيحًا لطيفًا أو تُصادق على الإجابة الصحيحة.
صاغ فريق البحث بعناية أسئلةً مُرفقةً بأمثلة توضيحية لضمان ملاءمة الإجابات. وللتفاعل مع المستخدمين، احتاجت "نورا" إلى معرفة ثلاثة أمور: أي نوع من العبارات يستدعي استجابةً تعاطفية، وكيفية تقييم مدى استجابة المستخدم بتعاطف، وكيفية تقديم ملاحظات مفيدة للمستخدم لتحسين استجابته إذا افتقرت إلى التعاطف.
لصياغة عبارات توجيهية، عرّض الفريق "نورا" لاستجابات "رائعة" وأخرى غير لائقة. كتب الفريق الردود بأنفسهم واستخدموا نموذجا لغويا كبيرا لكتابة ردود أخرى، ثم تحققوا منها، مما أدى إلى إنشاء مجموعة من 330 عبارة مصممة لاستخلاص ردود متعاطفة من المشاركين. هذا يعني أن "نورا" لم تكن تكتب عبارات توجيهية عفوية، مما كان من الممكن أن يؤدي إلى أسئلة غير لائقة.
اقرأ أيضا... الذكاء الاصطناعي يساعد في رعاية أكثر فعالية في الطوارئ

أما فيما يتعلق بالاستجابة المباشرة لاستجابات المستخدمين المتعاطفة، فقد تمتعت "نورا" بحرية أكبر. مستفيدين من قدرات نموذج لغوي كبير على التعلم في السياق، حاكى الفريق شخصيات المستخدمين، وجعلوا "نورا" تتدرب على الاستجابة للمستخدمين الذين أظهروا مستويات متفاوتة من التعاطف. كما اختاروا حالات صعبة وقدموا ملاحظات لنورا لتتعلم منها.

اختبار نورا
لقياس مدى صمود "نورا" أمام العلاج المعتاد، أجرت كوغل ولام وزملاؤهما تجربة عشوائية مع 30 مشاركًا، طُلب من نصفهم استخدام "نورا" لمدة أربعة أسابيع، بينما لم يتلق النصف الآخر أي تدخل. طُلب من المشاركين الذين يستخدمون "نورا" إكمال 10 تجارب يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع، بإجمالي 200 تجربة.
وأضافت كوغل أن الفريق كان يسعى في النهاية إلى تقييم قدرة "نورا" على تحسين استجابات المستخدمين التعاطفية، وما إذا كان من الممكن تعميم هذه التحسينات لإظهار التعاطف في التواصل بين البشر أيضًا.
أوضحت كوغل "هناك العديد من أبحاث الذكاء الاصطناعي التي تُظهر أن طلاب اضطراب طيف التوحد يتحسّنون باستخدام برنامج، لكنها لا تُظهر إمكانية تعميم ذلك على الحياة الواقعية. لذا، كان هذا هدفنا الرئيسي".
وبمقارنة الاستجابات من بداية التجربة إلى نهايتها، قالت كوغل إن 71% من المشاركين تحسّنت استجاباتهم التعاطفية عند استخدام "نورا".
لمعرفة ما إذا كان هذا التقدم قابلاً للتعميم، طلب الفريق من المشاركين المشاركة في مكالمة عبر تطبيق "زووم" مع أحد أعضاء الفريق قبل التجربة وبعدها، والتي تضمنت توجيه عبارات تعاطفية. عند إعادة التقييم بعد التدخل، سجلت المجموعة التجريبية نتائج أعلى بكثير من المجموعة الضابطة بزيادة متوسطة قدرها 38%، بينما كانت نتائج المجموعتين الضابطتين قبل وبعد التجربة متشابهة. يُظهر هذا أن أربعة أسابيع فقط من استخدام برنامج الذكاء الاصطناعي حسّنت بشكل ملحوظ الاستجابات التعاطفية اللفظية.
مع هذا النجاح الذي حققته "نورا"، تهتم كوغل ولام الآن باختبار فعالية وحدات أخرى أيضًا. كما تعملان على فتح "نورا" للاختبار التجريبي للاستخدام العام وفي الإعدادات السريرية.
بالإضافة إلى "نورا"، قالت كوغل إنها تدمج الذكاء الاصطناعي في جوانب أخرى من بحثها عن التوحد، بما في ذلك العلاج التحفيزي للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد الذين لا يزالون في المراحل الأولى من استخدام التواصل.
وقالت كوغل "أود أن أستفيد من الكثير من العمل الذي أنجزته على مدى عقود، والذي كان وجهاً لوجه، وأرى مدى إمكانية تطبيقه في مجال الذكاء الاصطناعي"، مضيفة "بما أن الأطفال يُحبون الكمبيوتر، فإننا نرغب في معرفة ما إذا كان بإمكاننا خلق تجربة تعليمية بدلاً من مجرد قضاء الوقت على أجهزة الكمبيوتر أو هواتف الآيفون".
مصطفى أوفى (ابوظبي)