في وقت تتصاعد فيه المخاوف من الزيادة المتسارعة في الطلب على الطاقة بفعل التوسع في استخدامات الذكاء الاصطناعي، تبرز في المقابل حلول تقنية واعدة يمكن أن تسهم في جعل شبكات الكهرباء أكثر نظافة وكفاءة واستدامة.

خلال الفترة الأخيرة، تصدر الذكاء الاصطناعي عناوين الأخبار بسبب احتياجاته المتنامية من الطاقة، ولا سيما الارتفاع الكبير في استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات التي تُستخدم لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. إلا أن الصورة لا تقتصر على هذه الجوانب السلبية، إذ تشير الأبحاث إلى أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على تقليل أنماط معينة من استهلاك الطاقة، بل والمساعدة في تطوير شبكات كهرباء أكثر كفاءة ومرونة.

ومن أبرز هذه التطبيقات توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين أداء شبكات الكهرباء، بما يرفع كفاءتها التشغيلية، ويعزز قدرتها على الصمود أمام الظواهر المناخية القاسية، ويدعم دمج مصادر الطاقة المتجددة بشكل أوسع. وفي هذا السياق، أجرت «أخبار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT News) حوارا مع بريا دونتي، أستاذة تطوير المسار المهني لعائلة سيلفرمان في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب بمعهد MIT، والباحثة الرئيسية في مختبر نظم المعلومات واتخاذ القرار (LIDS)، التي تركز أبحاثها على توظيف التعلم الآلي في تحسين شبكات الطاقة.

لماذا تحتاج شبكات الكهرباء إلى التحسين؟
توضح دونتي أن تشغيل شبكات الكهرباء يتطلب الحفاظ على توازن دقيق وفوري بين كمية الطاقة التي يتم ضخها في الشبكة وتلك التي يتم استهلاكها. غير أن جانب الطلب ينطوي على قدر كبير من عدم اليقين، إذ لا يطلب من المستهلكين تحديد استهلاكهم مسبقا، ما يفرض على شركات الكهرباء الاعتماد على التقدير والتنبؤ.

أما من جهة العرض، فتواجه الشبكات تقلبات مستمرة في التكاليف وتوافر الوقود، وهو ما يتطلب من مشغليها استجابة مرنة وسريعة. وتزداد هذه التحديات تعقيدا مع التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة زمنيًا، مثل الشمس والرياح، حيث يمكن للتقلبات الجوية أن تؤثر بشكل مباشر في حجم الطاقة المتاحة. إضافة إلى ذلك، تفقد الشبكات جزءا من الطاقة أثناء نقلها على شكل حرارة ناتجة عن المقاومة في خطوط الكهرباء. في ظل هذه العوامل مجتمعة، يصبح تحسين الشبكة ضرورة تشغيلية، وليس خيارا تقنيا.

محتوى مشابه.. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دفع التحوّل نحو الطاقة النظيفة؟

كيف يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين شبكات الكهرباء؟
بحسب دونتي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورا محوريا عبر تحليل البيانات التاريخية والبيانات اللحظية معا، ما يتيح تنبؤات أكثر دقة بشأن إنتاج الطاقة المتجددة في أوقات محددة. ويساعد ذلك على إدارة هذه الموارد بكفاءة أعلى، وبالتالي بناء شبكات كهرباء أنظف وأكثر استقرارا.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي دعم مشغلي الشبكات في حل مشكلات التحسين المعقدة المرتبطة بموازنة العرض والطلب وتقليل التكاليف. وتشمل هذه القرارات تحديد المولدات التي يجب تشغيلها، وكميات الإنتاج وتوقيته، إضافة إلى إدارة شحن البطاريات وتفريغها، والاستفادة من مرونة الأحمال الكهربائية. ونظرا لأن هذه العمليات الحسابية شديدة التعقيد ومكلفة من حيث القدرة الحاسوبية، يلجأ المشغلون غالبا إلى نماذج تقريبية سريعة لكنها غير دقيقة، وتزداد أخطاؤها مع ارتفاع نسبة الطاقة المتجددة. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في توفير نماذج أكثر دقة وسرعة، قابلة للتطبيق في الزمن الحقيقي، بما يعزز الإدارة الاستباقية والمرنة للشبكات.

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التشغيل اليومي فحسب، بل يمتد إلى تخطيط شبكات الكهرباء المستقبلية، التي تعتمد على نماذج محاكاة ضخمة ومعقدة، يمكن للذكاء الاصطناعي تشغيلها بكفاءة أعلى. كما يمكن توظيفه في الصيانة التنبؤية من خلال رصد السلوكيات غير الطبيعية قبل وقوع الأعطال، ما يقلل من الانقطاعات والخسائر التشغيلية. وعلى نطاق أوسع، يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع تطوير بطاريات أكثر كفاءة، وهو عنصر أساسي لدمج كميات أكبر من الطاقة المتجددة في الشبكات.

تعرف على.. الذكاء الاصطناعي في قلب تشغيل قطاع الطاقة بالصين

كيف نوازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي وتكلفته الطاقية؟
تشدد دونتي على أن الذكاء الاصطناعي ليس تقنية واحدة، بل مجموعة متنوعة من النماذج تختلف في الحجم والاستخدام واستهلاك الطاقة. فالنماذج الصغيرة والمتخصصة، المدربة على بيانات محدودة، تستهلك طاقة أقل بكثير من النماذج الضخمة متعددة الأغراض.

وفي قطاع الطاقة تحديدا، تشير إلى أن استخدام نماذج ذكاء اصطناعي موجهة لتطبيقات محددة غالبا ما يحقق توازنا إيجابيا بين الكلفة والعائد، خاصة عندما تسهم هذه التطبيقات في تعزيز الاستدامة، ودمج الطاقة المتجددة، ودعم استراتيجيات خفض الانبعاثات الكربونية.

ومع ذلك، ترى دونتي أن الاستثمارات العالمية الحالية في الذكاء الاصطناعي لا تتوافق بالكامل مع الفوائد المرجوة، إذ يتركز جزء كبير من التطوير في تقنيات شديدة الاستهلاك للموارد، لكنها لا تحقق بالضرورة أعظم الأثر في مجالي الطاقة والمناخ. وتؤكد أن التحدي الأكبر يتمثل في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تحترم القيود الفيزيائية لشبكات الكهرباء، لأن أي خطأ في هذا السياق قد يؤدي إلى انقطاعات واسعة النطاق، على عكس الأخطاء البسيطة في التطبيقات اللغوية التي يمكن للبشر تداركها.

وتختم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه الجهود التقنية نحو بناء منظومة أكثر ديمقراطية لتطوير ونشر الذكاء الاصطناعي، تكون منسجمة مع احتياجات التطبيقات الواقعية، وقادرة على تحقيق فوائد ملموسة لقطاعات الطاقة والمناخ والمجتمع ككل.

 

أسامة عثمان (أبوظبي)