في ظل تسارع الإيقاع الرقمي وتزايد سيل الإشعارات، تحوّل التركيز من مهارة طبيعية إلى جهد يتطلب مقاومة مستمرة.. ومع تزايد الشعور بالعجز عن إنجاز المهام من دون انقطاع، ظهرت تطبيقات "التركيز" بوصفها حلولًا تقنية تعد باستعادة الانتباه المفقود وتحسين الإنتاجية. غير أن دراسة حديثة تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تساعد هذه التطبيقات فعلًا على التركيز، أم أنها مجرد محاولة لمعالجة مشكلة صنعتها التكنولوجيا نفسها؟.

ملامح الدراسة

تشير الدراسة التي نشرتها منصة "The Conversation" إلى أن صعوبة التركيز ليست ظاهرة جديدة، لكنها باتت أكثر حدة في ظل البيئة الرقمية المعاصرة. فالهاتف الذكي لم يعد مجرد أداة، بل أصبح ملاذًا فوريًا للهروب من الملل أو الضغط أو المهام غير المحببة. وحتى عندما لا نستخدم الهاتف فعليًا، فإن وجوده بالقرب منا يكفي لتقليص قدرتنا على التركيز العميق، إذ يظل العقل في حالة ترقب لاحتمال المقاطعة.
اقرأ أيضاً.. الديتوكس الرقمي.. هل نحتاج فعلاً إلى استراحة من الشاشات؟!

تطبيقات التركيز
استجابة لهذا الواقع، انتشرت خلال السنوات الأخيرة تطبيقات مخصصة لمساعدة المستخدمين على العمل من دون تشتيت. تعتمد هذه التطبيقات على مؤقتات زمنية، أو حظر التطبيقات الأخرى، أو إنشاء بيئة رقمية (منضبطة) تشجع على الاستمرار في المهمة. ومن أبرز هذه التطبيقات Focus Friend، الذي اكتسب شهرة واسعة عبر توظيف شخصيات افتراضية تتفاعل عاطفيًا مع أداء المستخدم، فتُكافئه عند الالتزام وتُظهر خيبة أمل عند التشتت.

 كيف تعمل تطبيقات التركيز؟
تقوم تطبيقات التركيز على مبادئ نفسية معروفة، أبرزها التحفيز الفوري. إذ يحصل المستخدم على مكافآت صغيرة وسريعة بمجرد إكمال فترة تركيز محددة، ما يخلق شعورًا بالإنجاز. كما تعتمد على فكرة الالتزام الشخصي، حيث يُعد تشغيل المؤقت بمثابة وعد ذاتي يصعب كسره. وتستفيد بعض التطبيقات أيضًا من التعلق العاطفي إذ يزداد تقديرنا للأشياء التي نشارك في بنائها أو تطويرها، حتى لو كانت افتراضية.
هل هذه التطبيقات فعّالة؟
وبالرغم من الإقبال الكبير على هذه التطبيقات، تشير الدراسة إلى أن الأدلة العلمية حول فعاليتها ما تزال محدودة. فارتفاع التقييمات وعدد التحميلات يعكسان رضا المستخدمين عن التجربة، لا بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في الإنتاجية. بل إن بعض الأبحاث تشير إلى أن حلولًا أبسط، مثل إبعاد الهاتف أو تقليل ألوان الشاشة، قد تكون أكثر فاعلية في تقليل التشتت من الاعتماد على تطبيقات مليئة بالمحفزات.

كيف تستخدم تطبيقات التركيز بطريقة ذكية؟
تؤكد الدراسة أن الاستفادة الحقيقية من هذه التطبيقات لا تتحقق إلا عند استخدامها بوعٍ. فقبل بدء أي جلسة تركيز، ينبغي تحديد المهمة بوضوح وتقدير الوقت اللازم لإنجازها. كما أن الشعور بالضيق أو الرغبة في تفقد الهاتف أثناء العمل ليس علامة فشل، بل جزء طبيعي من العمل العميق. وبعد فترة من الاستخدام، يصبح من الضروري تقييم التجربة بصدق لمعرفة ما إذا كان التطبيق يخدم المستخدم فعلًا أم يضيف عبئًا جديدًا إلى وقته.
حدود لا يمكن للتطبيقات تجاوزها
تنبه الدراسة إلى أن تطبيقات التركيز لا تقيس جودة العمل، ولا تعالج الأسباب الجذرية للتشتت مثل القلق أو ضعف التخطيط أو العادات الرقمية السيئة. فهي أدوات مساعدة مؤقتة، لا بدائل عن الانضباط الذاتي أو الوعي بطبيعة العلاقة مع التكنولوجيا.

 تخلص الدراسة إلى أن تطبيقات التركيز قد تكون نافعة لبعض الأشخاص في ظروف معينة، لكنها ليست حلًا سحريًا لمشكلة التشتت. فالتركيز الحقيقي لا يبدأ من تحميل تطبيق جديد، بل من فهم أسباب التشتت، وتحديد الأولويات، وبناء علاقة أكثر وعيًا مع الوقت والتقنية. وفي النهاية، يبقى الانتباه قرارًا شخصيًا قبل أن يكون ميزة تقنية.
لمياء الصديق (أبوظبي)