يثبت الذكاء الاصطناعي، يوماً بعد يوم، قدرته على تسريع تطوير الأدوية وتعميق فهم الأمراض. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى علاجات مبتكرة يظل رهناً بإتاحة أحدث النماذج وأكثرها تقدماً بين أيدي العلماء.

وبحسب موقع MedicalXpress المتخصص في الأبحاث الطبية، تكمن المعضلة في أن غالبية الباحثين لا يمتلكون خبرة متقدمة في تعلم الآلة. وفي هذا السياق، تبرز OpenProtein.AI، التي تعمل على تمكين العلماء من مواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي عبر منصة لا تتطلب كتابة أكواد، وتوفر لهم وصولاً مباشراً إلى نماذج أساسية متقدمة، مدعومة بحزمة متكاملة من الأدوات لتصميم البروتينات، والتنبؤ ببنيتها ووظائفها، إلى جانب تدريب النماذج بكفاءة عالية.

تأسست الشركة على يد تريستان بيبلر (دكتوراه 2020) والبروفيسور السابق في معهد MIT تيم لو (دكتوراه 2007)، وقد شرعت بالفعل في تزويد باحثين من شركات الأدوية والتقنيات الحيوية، بمختلف أحجامها، بأدواتها المتقدمة، بما في ذلك نماذج أساسية مطوّرة داخلياً لهندسة البروتينات. كما تتيح منصتها مجاناً للباحثين في المؤسسات الأكاديمية.

ويقول بيبلر: «نعيش مرحلة بالغة الأهمية؛ فهذه النماذج لا تكتفي بجعل هندسة البروتين أكثر كفاءة—بما يختصر دورات تطوير العلاجات والتطبيقات الصناعية—بل تعزز أيضاً قدرتنا على تصميم بروتينات جديدة بخصائص محددة». ويضيف: «ننظر كذلك في توسيع هذه المقاربات لتشمل مجالات غير بروتينية، إذ نسعى في المحصلة إلى بناء لغة لوصف الأنظمة البيولوجية».

 
دفع علم الأحياء بالذكاء الاصطناعي
التحق بيبلر بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2014 ضمن برنامج الدكتوراه في البيولوجيا الحاسوبية والأنظمة، تحت إشراف بوني بيرغر، أستاذة الرياضيات التطبيقية. وهناك أدرك محدودية فهمنا للجزيئات التي تشكّل اللبنات الأساسية للحياة.

ويستعيد قائلاً: «لم نكن قد توصّلنا إلى توصيف دقيق للجزيئات الحيوية والبروتينات يمكّننا من بناء نماذج تنبؤية موثوقة حول سلوك الدوائر الجينومية أو شبكات التفاعل البروتيني». هذا الإدراك دفعه إلى التعمق في دراسة البروتينات على مستوى أكثر تفصيلاً.

بدأ بيبلر باستكشاف أساليب للتنبؤ بسلاسل الأحماض الأمينية المكوّنة للبروتينات عبر تحليل البيانات التطورية، وذلك قبل إطلاق نموذج AlphaFold. وقد أفضى هذا العمل إلى تطوير أحد أوائل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لفهم وتصميم البروتينات، المعروف بـ«نموذج لغة البروتين».

ويضيف: «العلاقة بين تسلسل البروتين وبنيته ووظيفته لا تزال غير مفهومة بالكامل. لذا تساءلنا: كيف يمكن للنماذج الأساسية أن تتجاوز عنصر البنية، وتنتقل مباشرة من التسلسل إلى الوظيفة؟».

بعد حصوله على الدكتوراه عام 2020، انضم بيبلر إلى مختبر تيم لو في قسم الهندسة البيولوجية في MIT كباحث ما بعد الدكتوراه.

ويقول لو: «تزامن ذلك مع تصاعد الاهتمام بدمج الذكاء الاصطناعي في علم الأحياء. ساهم تريستان في تطوير نماذج حاسوبية أكثر تقدماً للتصميم البيولوجي، ولاحظنا فجوة واضحة بين الأدوات المتقدمة المتاحة وعلماء الأحياء الذين يرغبون في استخدامها دون امتلاك مهارات برمجية. من هنا انطلقت فكرة توسيع الوصول إلى هذه التقنيات».

 

طالع أيضا.. تقنية لمراقبة الأمراض المزمنة خارج أسوار المستشفيات

 
منصة بلا أكواد لتسريع الابتكار
انبثقت فكرة تطوير منصة عامة لهندسة البروتينات باستخدام التعلم الآلي بأسلوب تفاعلي وسهل الاستخدام، يخفف من تعقيدات البنية التحتية التقنية، مثل المعالجة الحاسوبية المتقدمة وضبط النماذج.

توفر منصة OpenProtein واجهة ويب بديهية تتيح للباحثين رفع بياناتهم وتنفيذ عمليات تصميم البروتين بسهولة، مدعومة بمجموعة من النماذج مفتوحة المصدر، أبرزها نموذج «PoET».

ويشير هذا الاسم إلى “Protein Evolutionary Transformer”، وهو نموذج دُرّب على مجموعات بروتينية لتوليد بروتينات مترابطة. وقد أثبت قدرته على استيعاب القيود التطورية وتحديث معرفته بتسلسلات جديدة دون الحاجة إلى إعادة التدريب، ما يمنح الباحثين مرونة في تحسين النماذج باستخدام بياناتهم الخاصة.

ويشرح بيبلر: «يمكن للباحثين تدريب النماذج على بياناتهم الخاصة لتحسين تسلسلات البروتين، ثم تحليل النتائج باستخدام أدواتنا. اليوم، يتم توليد مكتبات كاملة من تسلسلات البروتين حاسوبياً، ثم اختبارها عبر نماذج تنبؤية للتحقق من خصائصها وبنيتها».

 

قد يهمك أيضا.. تقنية ذكية تحدد من يحتاج العلاج الكيميائي

 
تمهيد الطريق لعلاجات الجيل القادم
اعتمدت شركة Boehringer Ingelheim منصة OpenProtein مطلع عام 2025، وأعلنت مؤخراً توسيع شراكتها مع الشركة، بما يتيح دمج نماذجها في تطوير بروتينات لعلاج أمراض مثل السرطان واضطرابات المناعة والالتهابات.

كما أطلقت OpenProtein نسخة مطوّرة من نموذجها «PoET-2»، التي تفوقت على نماذج أكبر حجماً، رغم اعتمادها على قدر أقل بكثير من الموارد الحاسوبية والبيانات التجريبية.

ويؤكد بيبلر: «نسعى إلى صياغة لغة دقيقة لوصف البروتينات، وفهم القيود التي تحكمها، ودمج العوامل التطورية، بل وحتى توصيف التفاعلات الإنزيمية بطريقة تمكّن النماذج من توليد تسلسلات قادرة على تنفيذها».

 

تعرف على.. تقنيات الذكاء الاصطناعي تكشف أنماط خطر الميلانوما

 
نحو نماذج أكثر ديناميكية
يتطلع المؤسسون إلى تطوير نماذج تأخذ في الحسبان الطبيعة الديناميكية والمتداخلة لوظائف البروتينات، بحيث لا تقتصر على التنبؤ بعمليات الارتباط، بل تمتد إلى تصميم خصائص معقدة ومتغيرة، مثل تفاعل البروتين مع عدة آليات بيولوجية في آن واحد أو تغيّر وظيفته بعد الارتباط.

ويختتم لو قائلاً: «مع تزايد تعقيد الأبحاث—خصوصاً مع مفاهيم مثل منطق البروتين والعلاجات الديناميكية—تغدو الأدوات التجريبية التقليدية محدودة. لذلك، يصبح بناء أنظمة مفتوحة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء أمراً ضرورياً، إذ إن إتاحة الوصول إلى هذه التقنيات تمثل ركيزة أساسية لتقدم البحث العلمي».

 

أسامة عثمان (أبوظبي)