باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم بشكل متزايد في مجالات عدة من بينها صناعة الأغذية لدعم تطوير التقنيات الغذائية الحالية وابتكار أغذية صحية جديدة.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي يُمكنه تسريع اكتشاف المكونات، وتحسين تصميم التركيبات، وتحليل مجموعات البيانات البيوكيميائية والغذائية الضخمة لتحديد مركَّبات حيوية جديدة ومصادر غذائية مستدامة. 

صناعة أغذية جديدة

يُعدّ ابتكار منتجات غذائية جديدة عملية مُكلفة وتستغرق وقتًا طويلاً، وغالبًا ما تتطلب تعاونًا بين علماء الأغذية والمهندسين والطباخين والمستهلكين. تبدأ دورة تطوير الأغذية باختيار اللحوم المستهدفة والمكونات الرئيسية الأخرى بناءً على البنية المرغوبة والقيمة الغذائية للمنتج النهائي. بعد ذلك، تُقيّم نسب مختلفة من البروتينات والدهون والمواد الرابطة والمضافات الأخرى لمعرفة تأثيرها على مذاق الطعام وملمسه ومظهره.

قد يؤدي تغيير أي من هذه المعايير إلى اختلافات كبيرة في جودة المنتج النهائي، مما يستلزم اتباع نهج التجربة والخطأ المكلف. يمكن للنمذجة الحاسوبية وأدوات التركيب المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقليل عدد التجارب العملية المطلوبة من خلال التنبؤ بتفاعلات المكونات والخصائص الحسية والنتائج الغذائية قبل إنتاج النماذج الأولية.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي غير التوليدي التطبيق الأكثر شيوعًا في صناعة أغذية جديدة، لا سيما لتحسين خصائص محددة مثل القيمة الغذائية أو الأثر البيئي. مع ذلك، يُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضًا لاكتشاف مصادر بروتين جديدة من مجموعات بيانات واسعة النطاق حول نباتات متنوعة، وللتنبؤ بمذاقها وملمسها و/أو سلوكها عند دمجها مع تركيبات مختلفة من المكونات.

مراحل تطوير الأغذية

تم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة الحالية على بيانات كافية للتنبؤ بدقة بالقيم الغذائية من قائمة مكونات مُرجّحة. ورغم استمرار نقص البيانات المتعلقة بالخواص الريولوجية والقوام والنكهة، إلا أنه يجري توليد بيانات تدريبية جديدة بشكل متزايد لإنشاء نماذج أساسية لتطوير المنتجات المستقبلية.

ستُمكّن هذه البيانات الذكاء الاصطناعي من فهم العلاقات بين المكونات والتركيبات والقيم الغذائية والقوام والنكهة والمذاق بشكل أفضل. فعلى سبيل المثال، إذا تم تزويد نموذج لغوي كبير جديد بقائمة من المكونات وقيمها الغذائية، يمكن استخدامه لتقدير تركيب المكونات.

تطبيقات الصحة العامة 

على مستوى السكان، يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تشخيصية فعّالة لمعالجة العبء المزدوج لسوء التغذية والإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة. تقوم مصنفات التعلم الآلي بفحص الخصائص الغذائية كمدخلات للتنبؤ بدرجة معالجة الأغذية، مما يسمح للنموذج بتصنيف المستوى المُحتمل للمعالجة الصناعية للأغذية بدلاً من قياس فقدان العناصر الغذائية بشكل مباشر. وهذا يُوفر لمسؤولي الصحة العامة والمستهلكين بيانات موضوعية تُحدد البدائل الصحية.

تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط المناطق التي تفتقر إلى الغذاء الصحي من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الاجتماعية والاقتصادية. تُتيح هذه الخرائط التفصيلية تخصيص سياسات الصحة العامة والتوصيات الغذائية لمجتمعات مُحددة أو فئات ديموغرافية عالية الخطورة.

على سبيل المثال، بين كبار السن الأكثر عرضة لسوء التغذية، يجري تطوير أدوات مراقبة التغذية ونماذج تنبؤية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد عوامل الخطر الغذائية ودعم التدخلات الغذائية المُبكرة.
اقرأ أيضا... هل يُغني روبوت محادثة عن الطبيب بشأن حصى الكلى؟

تحديات أخلاقية واجتماعية

تؤكد منظمة الصحة العالمية على الحاجة المُلحة إلى أطر حوكمة قوية للذكاء الاصطناعي، تمنع التحيز الخوارزمي في التقنيات الصحية، وتضمن الشفافية والمساءلة والنزاهة في اتخاذ القرارات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال غياب بروتوكولات موحدة للذكاء الاصطناعي، ومحدودية التحقق السريري في المجتمعات المتنوعة عرقياً واجتماعياً، يُشكل تحدياً رئيسياً في التطبيق.

كما تُشدد التوجيهات الدولية على أهمية الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، ومجموعات البيانات الشفافة، والإشراف متعدد التخصصات، لضمان بقاء أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحية جديرة بالثقة، وغير متحيزة، ومسؤولة اجتماعياً.
وتُشير الدراسات الحديثة إلى أن ضمان عدالة وشفافية أدوات الذكاء الاصطناعي، من خلال تطبيق السياسات والتعاون متعدد التخصصات، أمرٌ أساسي لبناء ثقة الجمهور، وقبول الأغذية المصممة بالذكاء الاصطناعي.

أمثلة واقعية

أطلقت المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة دراسة "التغذية من أجل صحة دقيقة"، والتي تهدف إلى إشراك أكثر من 10,000 مشارك مع إعطاء الأولوية لتنوع العينات لبناء خوارزميات تتنبأ باستجابات الأفراد للأنماط الغذائية.

أظهرت الدراسات السريرية، التي تقيّم برامج التغذية الشخصية، تحسناً في العديد من مؤشرات التمثيل الغذائي القلبي، بما في ذلك وزن الجسم، والدهون الثلاثية، وجودة النظام الغذائي، على الرغم من أن بعض المؤشرات الحيوية، مثل الكوليسترول الضار (LDL)، قد لا تُظهر تغييرات ملحوظة.

مؤخراً، طُوّر تطبيق "فود بلس" من شركة سامسونغ ليتعرف على أكثر من 40,000 مكون غذائي ويقدم وصفات شخصية مع تعديلات فورية للمستخدمين.

السلامة والسموم

يجري استكشاف أساليب جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لدعم تقييمات سلامة الأغذية من خلال تحليل البنى الجزيئية، ومجموعات البيانات البيوكيميائية، وقواعد بيانات السمية لتحديد المخاطر المحتملة في مراحل مبكرة من عملية التطوير. تهدف هذه الأساليب إلى استكمال أساليب علم السموم التقليدية والتقييمات التنظيمية، لا استبدالها.

في السياقات السريرية والصحة العامة، تجري أيضًا دراسة نماذج التعلم الآلي للكشف عن خطر سوء التغذية لدى كبار السن من خلال تحليل مجموعات من المؤشرات الديموغرافية والسريرية والتغذوية. 
مصطفى أوفى (أبوظبي)