تحتاج اللغات القديمة لفك رموزها إلى مرجع للمقارنة، كوجود نص ثنائي اللغة (مثل حجر رشيد) أو لغة قريبة معروفة. أما "الخط الخطي أ" (Linear A)، وهو نظام كتابة الحضارة المينوية في جزيرة كريت اليونانية، فاللغة التي كُتبت به لا تزال لغة معزولة لا ارتباط لها بأي لغة معروفة، ما جعلها لغزاً محيراً للغويين طوال قرن كامل.
كما أن اللغة الإتروسكانية، التي استُخدمت في إيطاليا قبل الإمبراطورية الرومانية، لا تزال قواعدها ومعانيها غامضة رغم تجميع مفردات محدودة منها.
مؤخراً، باتت هاتان اللغتان محوراً لأبحاث حديثة تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للغويين، وفقاً لما نشره موقع "ذا كونفرسيشن".
اقرأ أيضاً.. باحثون يطورون أداة لكشف مصادر الفيديوهات المزيفة
ادعاء يثير الجدل
في يونيو من العام الحالي، أعلن مهندس ذكاء اصطناعي هاوٍ عن اختراق في محاولة فهم "الخط الخطي أ"، بدأ من تخمين بأن كلمة مجهولة في نص لصلاة قديمة مشتقة من جذر سامي يعني "السكن".
وبإجراء اختبارات برمجة عبر الذكاء الاصطناعي لمطابقة النمط الصوتي مع أرشيف النصوص، أفادت التقارير بأنه تمكن من تحديد القيمة الصوتية لـ 40 رمزاً وتجميع قاموس من 408 كلمات، مستنتجاً أن اللغة تنتمي لعائلة اللغات السامية المنقرضة.
.. شركة تبرر إلغاء مئات الوظائف: "العملاء يفضّلون الذكاء الاصطناعي"
دور الذكاء الاصطناعي
جاءت الفكرة الأساسية من المهندس، بينما عمل الذكاء الاصطناعي كمساعد بحثي راجع الفرضية عبر آلاف الرموز، وهو عمل كان سيستغرق أشهراً لو أُنجز يدوياً.
وتشير الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يتحقق من صحة فرضية بشأن رمز أو كلمة عبر أرشيف كامل خلال دقائق، ويكتشف تكرارات قد تفوتها العين البشرية، ويستعيد النصوص التالفة بالتنبؤ بالأجزاء المفقودة.
كما ينجح أحياناً في الاستدلال على أنماط لغة مجهولة عبر مقارنتها بلغة معروفة قريبة منها، كما حدث مع فك رموز اللغة الأوغاريتية القديمة.
في المقابل، تحتاج مطابقة الأنماط إلى مرجع للمقارنة، أي لغة معروفة أو نص مكتوب بلغتين، لتمييز الأنماط ذات الدلالة عن مجرد المصادفة، وهو المرجع الذي تفتقر إليه اللغتان المرتبطتان بـ"الخط الخطي أ" والإتروسكانية.
.. الذكاء الاصطناعي يتنبأ بهطول الأمطار قبل أسبوعين
تحديات التحقق
حتى مع قدرة نموذج ذكاء اصطناعي على "محاكاة" نمط هاتين اللغتين، فإن معرفة تكرار الكلمات لا تعني فهم معناها الفعلي، ويصعب التحقق من الادعاءات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في هذا المجال، إذ لا توجد وسيلة لمقارنتها بمتحدثين أصليين أو نصوص أخرى كما هو معتاد مع اللغات المعروفة.
ويزيد الأمر صعوبة أن أرشيف النصوص المكتوبة بـ"الخط الخطي أ" لا يتجاوز 7,500 رمز، وهو حجم صغير يمكن أن يجد فيه أي افتراض تطابقات عشوائية داعمة له.
لذلك تعتمد الادعاءات في هذا المجال بشكل كبير على تدقيق الخبراء أكثر من الثقة الإحصائية، إذ إن "اكتشاف نمط" و"اكتشاف المعنى الصحيح" أمران مختلفان تماماً رغم سهولة الخلط بينهما.
وبحسب الباحثين، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة تسريع تختصر سنوات من العمل اليدوي إلى دقائق، دون أن يُغني عن مرجع حقيقي للمقارنة ومراجعة بشرية دقيقة.
أمجد الأمين (أبوظبي)