أظهرت دراسة لجامعة جنوب كاليفورنيا (USC) أن دمج إشارات العرق والدماغ وحركات العين مع تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يطوّر أدوات موضوعية لرصد الاكتئاب والتنبؤ بخطر الانتحار، في ظل ارتفاع مقلق لمعدلاته في الولايات المتحدة، لا سيما بين المحاربين القدامى.

تشير الدراسة الصادرة عن كلية سوزان دوراك-بيك للعمل الاجتماعي بجامعة جنوب كاليفورنيا إلى أن معدلات الانتحار في الولايات المتحدة شهدت ارتفاعًا حادًا خلال العقود الماضية، مع تسجيل معدلات بين المحاربين القدامى تفوق عموم السكان بنحو 1.5 مرة. ورغم أن التدخل المبكر يُعد عاملًا حاسمًا للوقاية، فإن كثيرًا من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها، خاصة في الأوساط العسكرية، بسبب الوصمة الاجتماعية وضغوط الإبلاغ.

وتكمن إحدى أبرز المشكلات في غياب معايير اختبار موضوعية للأمراض النفسية مثل الاكتئاب، حيث لا تزال التشخيصات تعتمد بشكل رئيسي على الإفصاح الذاتي عبر الاستبيانات والمقابلات السريرية. ويؤكد الباحثون الحاجة الملحّة إلى تطوير أدوات قياس موضوعية قادرة على تصنيف الحالات النفسية والتنبؤ بالسلوك الانتحاري.

في هذا السياق، طوّر فريق متعدد التخصصات من جامعة جنوب كاليفورنيا—يضم خبراء في الهندسة، وعلوم الأعصاب، وتقنيات الكلام، والذكاء الاصطناعي، واللغويات، والطب النفسي—نظامًا يعتمد على تحليل مؤشرات حيوية مثل العرق، وإشارات الدماغ، وحركات العين باستخدام نماذج تصنيف قائمة على الذكاء الاصطناعي. وقاد الدراسة البروفيسور شريكانث نارايانان (Shrikanth Narayanan).

ويهدف المشروع، المعروف باسم PRECOG، إلى تزويد الأطباء النفسيين بأداة تساعد على تحديد الأفراد الأكثر عرضة للخطر عبر إشارات بيولوجية، بما يتيح مراقبة أدق للصحة النفسية وتحديد نقاط التدخل المبكر.

 

محتوى مشابه.. الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة تشخيص الأمراض النفسية

وأسفر المشروع، الذي انطلق في يونيو 2023، عن نشر خمس دراسات في دوريات علمية مرموقة، ركّزت على مؤشرات متعددة، منها:

حركات العين: أظهرت دراسة منشورة في npj Digital Medicine أن أنماط النظر يمكن أن تكشف عن مؤشرات الاكتئاب والأفكار الانتحارية، خاصة عند معالجة محتوى سلبي.
إشارات الدماغ (EEG): كشفت ثلاث دراسات أنماطًا عصبية مميزة للاكتئاب والانتحار، مع فروق واضحة تظهر خلال 300–600 مللي ثانية بعد قراءة الكلمات ذات الشحنة العاطفية.
استجابة الجلد (EDA): بيّنت دراسة أن تفاعلات التعرّق مع الكلمات السلبية تحمل مؤشرات تشخيصية قوية، إذ أظهر المصابون بالاكتئاب استجابات فسيولوجية مختلفة.
واعتمدت التجارب على مهمة لغوية تضمنت قراءة 160 عبارة ذاتية مثل “أشعر بالحزن معظم الوقت”، مع تسجيل متزامن لنشاط الدماغ، وحركة العين، واستجابة الجلد، ثم تحليل البيانات باستخدام تقنيات التعلم العميق لاستخراج أنماط ثابتة.

 

تعرف على.. بفضل الذكاء الاصطناعي.. أصبح التنبؤ بالخرف ممكنًا

وأظهرت النتائج أن الأفراد الأصحاء يميلون إلى أنماط بصرية منظمة عند رفض المحتوى السلبي، بينما أظهر الأشخاص الذين لديهم أفكار انتحارية سلوكًا بصريًا مشتتًا أو منفصلًا. كما رُصدت تغيرات في إشارات دماغية محددة (مثل N400 وN170) مرتبطة بشدة الاكتئاب وخطر الانتحار.

تعتمد التقييمات النفسية تقليديًا على المقابلات السريرية، ما يجعلها عرضة للتحيزات أو عدم دقة الإفصاح الذاتي. ويأتي هذا البحث ضمن توجه عالمي نحو “الطب القائم على الأدلة البيولوجية” في الصحة النفسية.

يؤكد الباحثون أن الهدف ليس استبدال التقييمات الحالية، بل تعزيزها بطبقة إضافية من البيانات الموضوعية، بما يمكّن الأطباء من اتخاذ قرارات أكثر دقة وتحديد تدخلات علاجية مبكرة.

 

أسامة عثمان (أبوظبي)