أظهر باحثون من ثلاث مؤسسات، من بينها جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا (UC Santa Barbara)، أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تحسين أداء الأطراف البصرية الاصطناعية المستقبلية، مثل العين الإلكترونية، من حيث الدقة وقابلية التنبؤ والاستجابة لاحتياجات المستخدم الفردي.
واستخدم مايكل بايلر، الأستاذ المشارك في علوم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وفريقه نموذجًا قائمًا على التعلم العميق لتصميم أنماط من التحفيز الكهربائي لأقطاب مزروعة مؤقتًا في القشرة البصرية، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية في مؤخرة الدماغ، لدى مشارك كفيف. وأسهم النموذج في تحسين قدرة الباحثين على التحكم في استجابة الخلايا العصبية للمحفزات، كما ساعد في التنبؤ بما يدركه المشارك بصريًا.
وتُمثّل هذه الدراسة الأولية، التي نُشرت هذا الأسبوع عبر الإنترنت في مجلة Neuron، خطوة نحو تطوير أطراف صناعية تُزرع في القشرة البصرية بما يتيح تواصلاً أكثر كفاءة مع الدماغ.
وقال بايلر، وهو أيضًا أستاذ مشارك في علوم النفس والدماغ: «إن بناء نموذج نظري أمر، ورؤية هذا النموذج يوجّه تجربة على إنسان أمر مختلف تمامًا. هذه القدرة على الانتقال من النظرية إلى تطبيق قد يُسهم يومًا ما في مساعدة البشر، هي ما يدفع جانبًا كبيرًا من أبحاث مختبرنا».
وفي إطار تعاون وصفه بايلر بأنه «حقيقي بكل معنى الكلمة»، قاد المشروع باحثون مشاركون هم بيهوين مور من ETH زيورخ، وجاكوب غرانلي من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وفابريزيو غراني من جامعة ميغيل إيرنانديز (MHU). وأشرف على البحث كل من بايلر، وشيه-تشي ليو من ETH زيورخ، وإدواردو فرنانديز من MHU، وذلك ضمن تجربة أوسع تُجرى حاليًا في إسبانيا.
تجاوز المسارات البصرية المتضررة
عمل الباحثون على تطوير أطراف بصرية اصطناعية لعقود، لكن مع نجاح محدود. إذ تستهدف بعض الأجهزة الشبكية—وهي الطبقة الحساسة للضوء في مؤخرة العين—بينما تعمل أجهزة أخرى على تحفيز مراحل لاحقة من النظام البصري.
في المقابل، تعتمد الأطراف القشرية نهجًا مختلفًا، إذ تتجاوز العينين والأعصاب البصرية، وتوجّه التحفيز الكهربائي مباشرة إلى القشرة البصرية. وقد يفيد هذا النهج مستقبلًا بعض الأشخاص الذين تضررت لديهم المسارات البصرية، بينما لا تزال القشرة البصرية لديهم قادرة على الاستجابة، مثل من فقدوا البصر نتيجة سكتات دماغية أو أمراض تنكسية عصبية أو إصابات دماغية.
وأشار بايلر إلى أن الفائدة المحتملة قد تكون ذات أهمية خاصة لمن «تمكنوا من الإبصار في مرحلة من حياتهم، ثم فقدوه لاحقًا بسبب مرض وراثي أو حادث»، مضيفًا أن «الرغبة في استعادة جزء من القدرة البصرية قد تكون قوية جدًا لدى هؤلاء».
ويستند هذا العمل إلى أبحاث حاسوبية سابقة تهدف إلى جعل الأطراف البصرية أكثر قابلية للتنبؤ وفعالية.
اختبار النموذج في إسبانيا
في عام 2024، توجّه فريق من مختبر الرؤية الاصطناعية بقيادة بايلر إلى إسبانيا لاختبار ما إذا كان نهجهم الحاسوبي يمكن أن يحسّن أداء جهاز مزروع في دماغ مشارك كفيف.
وفي مستشفى IMED إلشي، زار الفريق رجلًا يبلغ من العمر 27 عامًا فقد بصره نتيجة إصابة دماغية رضّية. وكان قد زُرع لديه جهاز يتكوّن من مصفوفة تضم 96 قناة من الأقطاب في القشرة البصرية، على أن يُزال بعد ستة أشهر.
وعند تحفيز هذه الأقطاب للخلايا العصبية في القشرة البصرية، كان المشارك يدرك ما يُعرف بـ «الفوسفينات»، وهي ومضات أو أشكال ضوئية تُشبَّه أحيانًا بالوميض أو النجوم أو الألعاب النارية.
وسعى الباحثون إلى تحسين قدرتهم على التنبؤ بكيفية استجابة القشرة البصرية لهذا التحفيز. ولتحقيق ذلك، درّبوا شبكة عصبية عميقة للتنبؤ بأنماط النشاط الدماغي الناتجة عن تركيبات مختلفة من إعدادات التحفيز الكهربائي، مع تزويد النموذج بمعلومات عن النشاط الدماغي في حالة الراحة قبل كل اختبار.
وبناءً على ذلك، استخدم الباحثون النموذج لتحديد أنماط التحفيز الأكثر احتمالًا لإنتاج استجابة عصبية محددة.
محتوى مشابه.. الذكاء الاصطناعي يتنبأ بتدهور القرنية قبل فقدان البصر
نشاط الدماغ أكثر دلالة
عند اختبار الأنماط التي صمّمها الذكاء الاصطناعي، تمكن الباحثون من إعادة إنتاج أنماط النشاط الدماغي المستهدفة بدقة أعلى وباستخدام تيار كهربائي أقل مقارنة بالأساليب الأخرى. كما أظهرت النتائج أن النشاط المسجّل من دماغ المشارك كان أكثر دقة في التنبؤ بما يدركه بصريًا مقارنة بالاعتماد على إعدادات التحفيز وحدها. وبعبارة أخرى، فإن قياس استجابة الدماغ قدّم مؤشرًا أدق لما سيراه المشارك.
غير أن إنتاج نمط محدد من النشاط الدماغي لا يمثل سوى جزء من المعادلة، إذ لا يزال على الباحثين فهم كيفية تحوّل هذا النشاط إلى تجربة بصرية لدى المستخدم.
وقال بايلر: «يميل المهندسون إلى التعامل مع الفوسفينات كما لو كانت بكسلات: كلما زاد عدد الأقطاب المُحفَّزة، تحسّنت الصورة. لكن الدماغ لا يعمل بهذه الطريقة. فالأقطاب تتفاعل فيما بينها، والاستجابات العصبية تتغير، وما ندخله إلى الدماغ لا يطابق بالضرورة ما يدركه الشخص. التحدي يكمن في فهم هذا التحوّل بشكل أعمق».
وقد أتاح الجهاز المستخدم في الدراسة تحفيز الدماغ وتسجيل استجابات الخلايا العصبية في الوقت نفسه، ما مكّن الباحثين من تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على الاستجابات الفعلية للدماغ بعد كل نمط تحفيز، بدل الاعتماد فقط على الإعدادات الكهربائية.
وأفاد المشارك بما إذا كان قد أدرك فوسفينات، وفي بعض التجارب وصف خصائصها مثل الشكل والحجم والسطوع واللون. ووجد الباحثون أن أنماط النشاط العصبي المسجّلة كانت أكثر دقة في تفسير هذه التجارب الإدراكية مقارنة بمعايير التحفيز نفسها.
تعرف على.. الذكاء الاصطناعي يدخل أعماق الدماغ ويكشف أسرار النوم
التكيّف مع دماغ متغير
كما دمج نموذج الذكاء الاصطناعي قياسات النشاط الدماغي في حالة الراحة، ما أتاح له تعديل أنماط التحفيز وفق الحالة اللحظية للدماغ. وقد يمثّل ذلك خطوة نحو تطوير أطراف بصرية تحافظ على موثوقيتها رغم التغيرات اليومية في الاستجابات العصبية.
وقال بايلر: «لا يمكن لطرف بصري فعّال أن يعتمد على وصفة ثابتة. يجب أن يتعلم كيف يستجيب دماغ كل فرد، وأن يكيّف التحفيز بناءً على ذلك. في النهاية، ينبغي أن يتكيّف الجهاز مع المستخدم، وليس العكس».
أسامة عثمان (أبوظبي)