يساعد الذكاء الاصطناعي المؤرخين والباحثين على فك شفرات تاريخية غامضة ظلت لعقود أو قرون عصية على الفهم، ما يتيح الوصول إلى معلومات تتعلق بالطب والدبلوماسية والعلاقات الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية.
ومن بين هذه الوثائق مخطوطة «بورغ» المحفوظة في أرشيف مكتبة الفاتيكان، وهي كتاب طبي تاريخي كُتب بطريقة مشفرة وظل غير مفهوم لأكثر من 400 عام. وتتكون المخطوطة من 408 صفحات، وتستخدم 34 رمزًا غامضًا إلى جانب عدد من الأحرف الرومانية، فيما كُتبت صفحتها الأولى بالعربية. وتمكن باحثون، بمساعدة تقنيات التعلم الآلي، من فك الشفرة واكتشاف آلاف الوصفات العلاجية الغريبة الواردة فيها.
وتقول بياتا ميغيشـي، أستاذة اللسانيات الحاسوبية في جامعة ستوكهولم، إن فك الشفرات يشبه عمل المحققين، إذ يمكن لكل رمز أو نمط أو حل جزئي أن يقود إلى فهم أسرار من عالم تاريخي مفقود. وتقود ميغيشـي وزملاؤها جهودًا لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة في التعامل مع هذه الوثائق.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 1% من المواد الموجودة في الأرشيفات والمكتبات حول العالم مشفرة بالكامل أو جزئيًا. وتعود بعض أقدم الشفرات المعروفة إلى اليونان القديمة وروما.
وتخفي الوثائق المشفرة معلومات تاريخية مهمة، من بينها مراسلات دبلوماسية ومعارف طبية وعلاقات شخصية. وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي فكها إلى تغيير فهم المؤرخين لشخصيات أو فترات تاريخية كاملة، مثل الرسائل المشفرة التي نُسبت إلى ماري ملكة اسكتلندا، وكشفت عن مؤامرات لاستعادة عرشها.
الذكاء الاصطناعي يفك شفرات التاريخ
تبدأ عملية فك الشفرات عادة بتحويل المخطوطات المكتوبة بخط اليد إلى نص رقمي، وهي مهمة قد تكون شاقة بسبب صعوبة قراءة الخط وبهتان الحبر. وقد بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تسريع هذه المرحلة.
واستخدمت باحثة من جامعة أوسلو وزملاؤها منصة «Transkribus» لنسخ رسالة سرية تعود إلى عام 1637، كُتبت جزئيًا بشفرة رقمية وجزئيًا بخط ألماني من القرن السابع عشر. وعلى الرغم من الحاجة إلى بعض التصحيحات اليدوية، تمكنت الأداة من التعامل مع الرسالة بدرجة جيدة.
ويعمل الباحثون حاليًا على تطوير أدوات أكثر قدرة على التعامل مع الرموز غير المألوفة والكتابات القديمة، ضمن مشروع «Descrypt» متعدد الجنسيات، بهدف تحويل النصوص التاريخية المشفرة إلى وثائق قابلة للقراءة آليًا.
فك الشفرات من الصور
يبحث فريق ميغيشـي أيضًا في إمكانية تجاوز مرحلة النسخ بالكامل، بحيث يتمكن الذكاء الاصطناعي من تحليل صور صفحات المخطوطات وفك شفراتها مباشرة.
كما يعمل الباحثون على جمع وثائق مشفرة من الأرشيفات القديمة لإنشاء قاعدة بيانات تساعد في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يمثل توفير كميات كبيرة من البيانات تحديًا رئيسيًا في هذا المجال.
ومن بين الوثائق التي جُمعت نحو 400 بطاقة بريدية مشفرة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكشفت الأجزاء التي جرى فكها حتى الآن أن بعضها عبارة عن رسائل حب باللغة الألمانية.
وطوّر فريق ميغيشـي أداة شبيهة بروبوتات المحادثة تجمع بين نسخ النص وفك شفرته في خطوة واحدة، بالاعتماد على خوارزميات فك التشفير والنماذج اللغوية الكبيرة وتقنيات التعرف على الكتابة اليدوية.
وعند اختبار الأداة على شفرة بورغ، تمكنت من فك وترجمة مقتطف مكون من 500 رمز خلال ما يزيد قليلًا على 29 دقيقة، كما وثقت خطوات العملية وشرحت أسباب اعتبار الحل الذي توصلت إليه معقولًا، في محاولة للحد من خطر اختلاق الذكاء الاصطناعي لتفسيرات غير صحيحة.
ويقول الباحثون إن الذكاء الاصطناعي يوفر مزايا، خصوصًا في سرعة معالجة كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف الأنماط ودمج مراحل العمل. وقد تتيح هذه الأدوات مستقبلًا فك شفرات تاريخية ظلت عصية على الحل، إضافة إلى التعامل مع نصوص قديمة مكتوبة بأنظمة أبجدية لم تعد مقروءة اليوم، مثل «قرص فايستوس» و«الخطيّة أ».
أسامة عثمان (أبوظبي)