طوّر باحثون في مايو كلينك (Mayo Clinic) نموذجًا للذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ بخطر إصابة الشخص بسرطان البنكرياس قبل تشخيص المرض بنحو ثلاث سنوات، في خطوة قد تساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة في وقت مبكر.

وعُرضت نتائج البحث خلال المؤتمر السريري لعام 2026 للكلية الأميركية للجراحين (ACS Clinical Congress 2026)، المنعقد في واشنطن خلال الفترة من 26 إلى 29 سبتمبر.

ويُعد سرطان البنكرياس من الأمراض السرطانية النادرة نسبياً، لكنه شديد الفتك. ووفقاً للجمعية الأميركية للسرطان، يُتوقع تسجيل نحو 67 ألف إصابة جديدة و52 ألف وفاة بسرطان البنكرياس خلال عام 2026. ويمثل المرض نحو 3% من إجمالي حالات السرطان الجديدة، لكنه مسؤول عن نحو 8% من وفيات السرطان.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة كورنيليوس ثيلز (Cornelius Thiels)، اختصاصي أورام جراحية في مايو كلينك بمدينة روتشستر في ولاية مينيسوتا: «يمكن علاج سرطان البنكرياس، لكن ذلك لا يكون ممكناً إلا عند اكتشافه مبكراً، في حين يُشخَّص أقل من مريض واحد من كل خمسة في الوقت المناسب».

وأضاف: «ونتيجة لذلك، لا يزال متوسط البقاء على قيد الحياة لدى كثير من المرضى يُقاس بالأشهر، وليس بالسنوات».

وأوضح ثيلز أن إجراء فحص شامل لسرطان البنكرياس لجميع السكان غير قابل للتطبيق، ولذلك سعى فريقه إلى تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي يمكنه تحديد المرضى الأكثر عرضة للإصابة بسرطان البنكرياس.

وقال: «نعلم أن سرطان البنكرياس يتشكل على مدى خمس إلى سبع سنوات، لكن العلامات التي يمكن للطبيب أو المريض ملاحظتها لا تظهر إلا بعد فوات الأوان».

تحليل التاريخ الصحي
اعتمد النموذج الذي طوّره ثيلز والمؤلف الرئيسي للدراسة كريس فارغيز (Chris Varghese)، وفريقهما، على السجلات الصحية الطولية للمرضى من منظومة مايو كلينك، وهي بيانات مفصلة في سجلاتهم الطبية الإلكترونية ترصد حالتهم الصحية على مدى فترة زمنية طويلة.

وجمع النموذج هذه البيانات مع نتائج فحوصات المختبر الروتينية التي أُجريت للمرضى على مدى متوسطه عشر سنوات أو أكثر.

وشملت قاعدة بيانات الدراسة 6,066 شخصاً مصاباً بسرطان البنكرياس و33,396 شخصاً في مجموعة ضابطة، مع سجلات سريرية تراوحت مدتها بين 7.5 و19 عامًا.

وقال ثيلز إن الهدف كان تحديد مؤشرات دقيقة وخفية في البيانات يمكن أن تكشف في وقت مبكر عن وجود خطر للإصابة بسرطان البنكرياس.


دقة التنبؤ بالمرض
ولاختبار قدرة النموذج على التنبؤ بالإصابة بسرطان البنكرياس قبل التشخيص بثلاث سنوات، حسب الباحثون المساحة تحت منحنى خصائص تشغيل المستقبل (AUROC)، وهو مقياس يحدد مدى قدرة النموذج على التمييز بين الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بسرطان البنكرياس والأشخاص منخفضي الخطورة.

وبلغت قيمة AUROC نحو 0.853، على مقياس تمثل فيه القيمة 1.0 قدرة تمييز مثالية، بينما تعني القيمة 0.5 أن أداء النموذج لا يتجاوز مستوى التخمين العشوائي.

وأظهر النموذج أيضاً قدرة قوية على تحديد المرضى المعرضين فعلياً للخطر، مع الحد من النتائج الإيجابية الكاذبة، إذ بلغت قيمة المساحة تحت منحنى الدقة والاستدعاء (AUPRC) 0.712.

وأظهرت الدراسة كذلك أن النموذج كان جيد المعايرة، أي أن مستوى الخطر الذي يتنبأ به كان قريباً من النتائج التي حدثت فعلياً، وبلغ ميل منحنى المعايرة 1.08.

وقال فارغيز، عالم بيانات جراحية في مايو كلينك بمدينة روتشستر: «أظهر نموذجنا أن التنبؤ باحتمال إصابة بسرطان البنكرياس يتجاوز 50% يشير إلى احتمال بنسبة 88% لتشخيص الشخص بسرطان البنكرياس خلال عام واحد».


التطبيق على نطاق واسع
وقال فارغيز إن الفريق صمم النموذج «ليكون قابلاً للتعميم والتوسع وسهل التطبيق قدر الإمكان».

وأوضح أن البيانات التي يعتمد عليها النموذج متاحة تقريباً بشكل شامل في أنظمة المستشفيات حول العالم، مضيفاً: «إذا ثبتت فعاليته، فيمكن استخدامه في أي بيئة تقريباً».

وقال ثيلز إن الباحثين بدأوا بالفعل في استخدام النموذج لأغراض بحثية، موضحاً: «نحن نثبت أنه يمكننا نقل هذا النموذج من أداة بحثية تعتمد على البيانات السابقة إلى بيئتنا السريرية وتشغيله بصورة استباقية للتحقق من صلاحيته».

ويعمل الفريق أيضًا على إجراء مزيد من التحقق الاستباقي من النموذج داخل مايو كلينك، وكذلك في نظام صحي خارج المؤسسة خلال العام الجاري.

وأضاف ثيلز: «نعمل أيضاً على تطوير هياكل أكثر تقدماً لتعلّم الآلة، والتي يبدو أنها تحسن أداء النموذج بدرجة أكبر».

 

أسامة عثمان (أبوظبي)