معتز الشامي (أبوظبي)

يصادف اليوم مرور 200 عام على أول رحلة ركاب بالسكك الحديدية في العالم، من شيلدون إلى ستوكتون عام 1825، وهي ذكرى تكشف عن العلاقة العميقة التي جمعت بين كرة القدم والقطارات في إنجلترا، حيث كان لكل منهما دور في صياغة الآخر، وقد أفردت صحيفة «ذا أتليتك» تقريراً عن تاريخ السكك الحديد وعلاقتها بتطور الكرة في إنجلترا، رصدت فيه أهم محطات تلك العلاقة المثيرة.
وفي القرن التاسع عشر، ساهمت ثلاثة عوامل في حضور الرياضة كمشهد جماهيري، أولها منح العمال نصف يوم السبت عطلة بفضل جهود «جمعية الإغلاق المبكر»، ما أتاح لهم وقتاً لمتابعة المباريات. 
ثانيها صعود الصحافة الشعبية الموجّهة للطبقات الوسطى والعمالية، ما عزز شعبية الرياضة. أما العامل الثالث فكان التوسع الكبير في شبكة السكك الحديدية، الذي جعل من الممكن انتقال اللاعبين والجماهير عبر المدن.
فمن دون القطارات، كان السفر لمشاهدة مباراة أمراً مستحيلاً. لكن مع اتساع شبكة السكك الحديدية، صار بالإمكان تنظيم مسابقات وطنية ككأس إنجلترا، الذي انطلق عام 1872، حين سافر نادي كوينز بارك الأسكتلندي إلى لندن لخوض نصف النهائي، لكنه انسحب من الإعادة لعدم قدرته على تحمل تكلفة الرحلة الثانية.
ومع نمو اللعبة، أصبح التنقل الجماهيري عبر القطارات جزءاً من هوية كرة القدم، حيث طالبت شركات الصحف الرياضية مثل Athletic News بتخفيض أسعار التذاكر للأندية نظير الفوائد الاقتصادية التي حققتها السكك الحديدية من المباريات، لكن دون نجاح.
وفي القرن العشرين، ظهر ما عُرف بـ «القطارات الخاصة بالمباريات (Football Specials)، التي كانت تقلّ جماهير الفرق مباشرة إلى الملاعب بأسعار مخفضة.
ومن أشهر الأمثلة، القطارات الـ 14 التي أقلّت 7 آلاف مشجع من سندرلاند إلى نهائي كأس إنجلترا عام 1973.
أما رحلة ليفربول التاريخية إلى روما لنهائي دوري الأبطال 1977، فقد استغرقت خمسة أيام من القطارات والعبّارات عبر أوروبا، لكن الانتصار على بروسيا مونشنجلادباخ جعل المشقة ذكرى خالدة في تاريخ النادي.
بعض الأندية الإنجليزية تأسست مباشرة من عمال السكك الحديدية، حيث انطلق مانشستر يونايتد عام 1878 تحت اسم نيوتن هيث LYR نسبة إلى «سكة لانكشاير ويوركشاير»، قبل أن يتحول إلى الاسم الحالي في 1902.
كذلك، نادي هاروجيت ريلواي الذي أسسه عمال شركة LNER عام 1935، وظل ملعبه يحمل اسم Station View.
وفي الخارج، وصل التأثير إلى أميركا الجنوبية، حيث تأسس نادي بينارول الأوروجوياني باسم Central Uruguay Railway Cricket Club على يد موظفين بريطانيين يعملون في مد خطوط السكك.
واليوم، تعتمد الأندية الكبرى غالباً على الحافلات أو الطائرات، لكن القطار ما زال حاضراً، مانشستر يونايتد وليفربول يلجآن إليه بانتظام في رحلاتهما إلى لندن، وأرسنال خصص قطاراً لمشجعيه إلى مانشستر مؤخراً.
حتى الملاعب الحديثة، مثل ملعب ريدينج «جرين بارك»، لم تكن لترى النور لولا الحاجة إلى ربطها بخطوط السكك الحديدية. وفي المقابل، يظل ملعب «ذا نيو لاون» الخاص بفورست جرين روفرز الأكثر صعوبة للوصول بالقطار، رغم هوية النادي البيئية.
ومنذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، لعبت السكك الحديدية دوراً محورياً في نمو كرة القدم الإنجليزية وانتشارها جماهيرياً، ومن نقل اللاعبين والمشجعين إلى تأسيس أندية ومحطات، يبقى إرث القطارات جزءاً لا يتجزأ من حكاية اللعبة الشعبية الأولى في إنجلترا، وصورة أخرى عن كيف التقت الصناعة بالهوية الكروية لتشكيل ثقافة رياضية فريدة؟