معتز الشامي (أبوظبي)
قبل أن تلتقط الكرة الأفريقية أنفاسها من زخم كأس الأمم، جاء القرار الأكثر إثارة للجدل: البطولة ستتحول من نظام «كل عامين» إلى «كل أربعة أعوام» بعد نسخة 2028.
إعلان صدر في توقيت حساس، عشية الافتتاح في الرباط، ما جعل رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» باتريس موتسيبي في قلب عاصفة جديدة، يتقاطع فيها التنظيم الرياضي مع موازين النفوذ والسياسة والاقتصاد.
موتسيبي، الذي اعترف بنفسه أن القرار «خلافي»، وجد نفسه أمام انتقادات اعتبرت أن «كاف» استغل ضجيج البطولة الحالية كستار لتمرير خطوة مصيرية، في وقت لم تظهر فيه مؤشرات مسبقة على هذا التحول. 
لكن المفاجآت ليست جديدة على الرجل الذي صنع صعوداً غير تقليدي في عالم كرة القدم، تماماً كما صنع ثروته خارج الملاعب، فالرئيس الجنوب أفريقي للكاف، والذي سيتجاوز الثالثة والستين بنهاية الشهر، ليس مسؤولاً رياضياً تقليدياً، بل هو محامٍ مؤهل، ورجل أعمال تمكن من تحويل منجم متعثر إلى إمبراطورية مالية، ليصبح أول ملياردير من أصحاب البشرة السمراء في تاريخ جنوب أفريقيا.
وفي العمل كما في الإدارة الرياضية، رُسمت عنه صورة «المُغامر المحسوب» القادر على اقتناص الفرص ورؤية الفجوات قبل الآخرين.
وإذا كان منصب رئاسة كاف هو الأعلى لجنوب أفريقي في تاريخ اللعبة بالقارة، فإن الحديث داخل بلاده لا يتوقف حول «التحدي التالي»، حتى عندما نفى في وقت سابق فكرة الدخول في السياسة وقيادة «المؤتمر الوطني الأفريقي» أو الترشح لرئاسة الدولة، لم يتوقف الجدل، خصوصاً أن الرجل معروف بتبديل موقفه عندما يقتنع بأن الوقت حان.
واللافت أن موتسيبي لم يندفع أصلاً نحو رئاسة كاف بسهولة. وفق روايات داخل جنوب أفريقيا، احتاج لإقناع كبير للترشح بسبب السمعة المتدهورة التي ورثها الاتحاد الأفريقي «ديون ضخمة، صراعات داخلية، وملفات نزاهة شوهت صورة المؤسسة». وكان يرى أنه دفع بالفعل ثمناً مالياً ومعنوياً عبر استثماراته في نادي ماميلودي صن داونز الذي أعاد بناءه منذ عام 2004.
لكن رحلته نحو القمة تسارعت بشكل لافت في نهاية 2020 وبداية 2021، لتتراجع بقية الترشيحات واحداً تلو الآخر، وعلى السطح، بدا الأمر منطقياً، ملياردير لا يحتاج المنصب، يمتلك نجاحاً كروياً، ويتحدث عن الإصلاح والحوكمة. إلا أن الوجه الآخر للقصة ظل حاضراً، علاقته الوثيقة برئيس فيفا جياني إنفانتينو، الذي يحتاج دائماً إلى دعم اتحادات أفريقيا (54 اتحاداً تمثل أكثر من ربع أصوات فيفا) لضمان النفوذ والاستمرارية، من هنا تشكلت فرضية «الثنائية» في إدارة كرة أفريقيا، وتعمقت عندما تولى فيرون موسينجو-أومبا منصب الأمين العام لكاف، وهو شخصية ترتبط بعلاقة دراسية ومهنية سابقة بإنفانتينو.
ومع مرور الوقت، استطاع موتسيبي تحويل كاف إلى مؤسسة أكثر انضباطاً وسلاسة، وبدأ الحديث عن أرباح معلنة لأول مرة منذ سنوات، مدفوعة باتساع العوائد التجارية والرعاة وتطبيق رقابة مالية أكثر صرامة.
غير أن قرار تقليص تكرار أمم أفريقيا يفتح باباً لأسئلة أكبر: هل يزداد اهتمام الرعاة أم يتراجع؟ هل تتضرر مكانة البطولة على الروزنامة العالمية؟ وهل يستطيع «كاف» تقديم بديل جذاب مثل «دوري الأمم الأفريقية» الذي طُرح كمشروع سنوي يمنح المنتخبات حضوراً مستمراً؟.
وبينما يواصل موتسيبي إعادة تشكيل المشهد، يتصاعد سؤال آخر بصوت أعلى: هل يصبح الرجل الأقوى في أفريقيا مرشحاً مستقبلياً لقيادة فيفا؟ قد لا يكون الجواب قريباً، لكن المؤكد أن موتسيبي بات رقماً محورياً في معادلة كرة القدم العالمية، وأن قراراته لم تعد تخص القارة وحدها، بل تمتد إلى ما يشبه تمهيد الطريق نحو«عرش أكبر» في اللعبة.