معتز الشامي (أبوظبي)
وسط مشهد احتفالي صاخب لجماهير البوسنة، وقف لاعبو منتخب إيطاليا في منتصف الملعب، عاجزين عن استيعاب صدمة جديدة تُضاف إلى سجل الإخفاقات، وخلف المرمى الذي حسمت عنده ركلات الترجيح، رفعت الجماهير البوسنية لافتة تحمل تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، في إشارة ساخرة إلى تأهلهم لكأس العالم، بينما اكتفى لاعبو «الآزوري» بالبكاء ومحاولة مواساة بعضهم البعض.
المشهد كان قاسياً بكل تفاصيله. وقال ليوناردو سبينازولا وهو يغالب دموعه «إنه كابوس.. تسع سنوات مع المنتخب ولم ألعب كأس العالم». كلمات تعكس حجم الأزمة التي يعيشها منتخب توّج باللقب أربع مرات، لكنه بات اليوم عاجزاً عن بلوغ البطولة. أما القائد جيانلويجي دوناروما، فاختار الصمت، شأنه شأن بقية اللاعبين، في ظلّ الغضب من النتيجة والتحكيم.
المدرب جينارو جاتوزو حاول التماسك خلال المؤتمر الصحفي، معتذراً للجماهير، ومؤكداً أن فريقه لعب بـ«قلب كبير». لكنه اعترف بندمه على لحظتين حاسمتين: طرد أليساندرو باستوني، وإهدار مويس كين فرصة تعزيز التقدم. لحظات صغيرة، لكنها كانت كافية لتغيير مسار التأهل.
وهذه التفاصيل الدقيقة تختصر قصة سقوط إيطاليا، التي أصبحت أول بطل سابق يغيب عن ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم. فالأمر لا يتعلق فقط بتراجع المستوى، بل بسلسلة من القرارات والأحداث التي تراكمت عبر السنوات.
في 2017، فشل الاتحاد في اتخاذ قرار حاسم بإقالة المدرب آنذاك، وفي 2022، كانت ركلات جزاء جورجينيو الضائعة سبباً في ضياع التأهل المباشر. واليوم، تتكرر الأخطاء بأشكال مختلفة.
وداخل أروقة الاتحاد، يتزايد الجدل حول المسؤولية، جلس جيانلويجي بوفون إلى جانب رئيس الاتحاد جابرييلي جرافينا، وسط مطالبات بالاستقالة. لكن لا أحد غادر منصبه، وهو ما أثار استياء واسعاً، خاصة أن جرافينا بقي في موقعه رغم إخفاقات سابقة.
ورغم إشادة المسؤولين بأداء الفريق، فإن الواقع يشير إلى أزمة أعمق. فالتشبث بالاستمرارية يبدو للبعض تماسكاً، لكنه بالنسبة لآخرين مجرد تردد في اتخاذ قرارات جذرية، في وقت تعترف فيه القيادة نفسها بأن الكرة الإيطالية تمر «بمرحلة أزمة كبيرة».
لكن المفارقة أن كرة القدم الإيطالية ليست في حالة انهيار كامل، فمنتخبات الفئات السنية تحقق نجاحات لافتة، مع بروز أسماء واعدة مثل فرانشيسكو كاماردا، إلى جانب تطور البنية التحتية وإعادة بناء الملاعب، واستقرار إداري في الأندية الكبرى. كما أن إيطاليا ستستضيف بطولة أوروبا 2032، ما يعكس وجود مشاريع مستقبلية واعدة.
لكن كل هذه المؤشرات الإيجابية تتلاشى أمام إخفاق المنتخب الأول. فالفوز بكأس أوروبا 2021 لم يكن كافياً لتغيير الصورة، بل بدا وكأنه لحظة استثنائية في مسار متعثر. وعندما وصف أحد المسؤولين السابقين ما حدث في 2017 بـ«نهاية العالم»، لم يكن يتوقع أن تتحول إلى ثلاثية من الكوارث.
واليوم، تقف إيطاليا أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تعيد بناء نفسها من الجذور، أو تواصل الدوران في نفس