معتز الشامي (أبوظبي)
يدخل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، مع إقرار ميزانية طموحة للدورة المالية 2027-2028، تعكس توجُّهاً واضحاً نحو الاستثمار المكثف في البطولات والبنية التحتية، حتى وإن جاء ذلك على حساب تسجيل عجز مؤقت في العام الأول.
وتنشر «الاتحاد» كافة الأرقام لمالية للاتحاد القاري عن العامين الماليين السابقين، بالإضافة لميزانية العامين المقبلين، وتشير الأرقام إلى أن إجمالي الإيرادات المتوقعة سيبلغ نحو 627 مليون دولار، مقابل إنفاق استثماري يصل إلى 708.5 مليون دولار، ما يكشف عن فجوة مالية محسوبة، هدفها إعادة تشكيل المنتج الكروي الآسيوي وتعزيز قيمته التجارية خلال السنوات المقبلة.
ويظهر هذا التوجه بوضوح خطة ذكية يمكنها أن تحوّل أي عجز مالي للعام 2027 إلى فائض ضخم في عام 2028، وذلك بعد كأس آسيا المقبلة، في مؤشر على أن الاتحاد يراهن على جني ثمار استثماراته سريعاً بعد عام واحد فقط.
لكن اللافت أن بطولة «النخبة» تبتلع النصيب الأكبر من الميزانية، في ظل أن أكثر من نصف إيرادات الاتحاد، بنسبة 58%، يتم توجيهها مباشرة إلى البطولات، بإجمالي يصل إلى 366 مليون دولار، ما يعكس الأهمية القصوى التي باتت تمثّلها المسابقات في استراتيجية النمو.
وتتصدر بطولة دوري أبطال آسيا للنخبة المشهد، بميزانية تبلغ 60.1 مليون دولار، مقابل 25.2 مليون دولار فقط لبطولة دوري أبطال آسيا 2، وهو ما يعكس الفجوة المتزايدة بين البطولتين، ويؤكد أن «النخبة» هي المشروع الرئيسي الذي يعوّل عليه الاتحاد لرفع جودة المنافسة وزيادة العوائد.
كما خصّص الاتحاد مبلغ 50 مليون دولار لدعم استضافة مباريات دوري النخبة، في خطوة تهدف إلى ضمان تنظيم مركزي قوي وجاذب، وهو ما يفسر الاتجاه نحو اختيار مدن قادرة على تقديم تجربة تنظيمية متكاملة.
فيما يمثّل كأس آسيا 2027 في السعودية حجر الزاوية في هذه الخطة، حيث وصفها الاتحاد بـ«جوهرة التاج»، مع تخصيص استثمارات تصل إلى 668.8 مليون دولار، ليكون الحدث الأبرز والأكثر تأثيراً على مستوى الإيرادات والانتشار الجماهيري.
ولا تقتصر الاستراتيجية على البطولات فقط، بل تمتد إلى تطوير اللعبة على مستوى القارة، حيث تم تخصيص 85.5 مليون دولار لصندوق التطوير، إلى جانب 25.1 مليون دولار للتعليم، و21.4 مليون دولار لدعم كرة القدم النسائية، فضلاً عن برامج تعزيز الاتحادات الوطنية.
كما تشمل الميزانية بنوداً أخرى مثل العمليات الإدارية (104.3 مليون دولار) ورأس المال البشري (54.9 مليون دولار)، في إطار بناء منظومة احترافية متكاملة تدعم النمو طويل الأمد.
وفي سياق متصل، تعكس ميزانيات الدعم اللوجستي والتنظيمي، خاصة فيما يتعلق بالبطولات القارية، توجه الاتحاد نحو تعزيز استضافة الأحداث الكبرى في بيئات قادرة على تحقيق أعلى معايير النجاح، وهو ما يمنح دولا مثل الإمارات أفضلية واضحة في احتضان هذه المنافسات.
كما تُظهر الأرقام نمواً ملحوظاً في الإيرادات، مقارنة بالدورة السابقة (2025-2026) التي بلغت 546.8 مليون دولار، بزيادة تصل إلى 15%، مدفوعة بإعادة هيكلة البطولات وارتفاع قيمة حقوق البث والشراكات التجارية.
وفي المحصلة، يبدو أن الاتحاد الآسيوي لا يكتفي بإدارة كرة القدم في القارة، بل يعمل على إعادة تعريفها كمشروع اقتصادي متكامل، قائم على الاستثمار الجريء اليوم، مقابل تحقيق عوائد أكبر غداً، في خطوة قد تعيد رسم خريطة المنافسة الكروية في آسيا خلال السنوات المقبلة.