معتز الشامي (أبوظبي)
شهد كأس العالم 2026 أولى لحظات ركلات الترجيح القاسية، وجاءت المفارقة الكبرى أن الضحية هذه المرة كانت ألمانيا، المنتخب الذي بنى عبر تاريخه سمعة شبه أسطورية في هذا الاختبار، قبل أن يسقط أمام باراجواي في دور الـ32، ثم لحقت به هولندا بعد ساعات قليلة أمام المغرب.
المشهد كان درامياً ومؤلماً ومثيراً في الوقت نفسه. لاعبون أنهكهم الركض 120 دقيقة، ثم يجدون أنفسهم أمام لحظة مأساوية تماماً، كرة على بعد 12 ياردة، حارس مرمى، وبلد كامل ينتظر، هنا لا تختبر القدم فقط، بل الأعصاب والشخصية والقدرة على عزل الضجيج.
خسارة ألمانيا فتحت من جديد النقاش القديم: هل ركلات الترجيح عادلة؟ وهل توجد طريقة أفضل لحسم المباريات المتعادلة في الأدوار الإقصائية؟.
كرة القدم جرّبت عبر تاريخها أكثر من صيغة. الهدف الذهبي، الهدف الفضي، الوقت الإضافي التقليدي، وحتى أفكار أكثر غرابة في بطولات مختلفة. لكن الحقيقة أن كل البدائل تقريباً عادت لتصطدم بالمشكلة نفسها، الخوف. 
وقد ناقشت تقارير إعلامية أوروبية عديدة، بدائل لفكرة ركلات الترجيح على خلفية خروج قوتين أوروبيتين كبيرتين، فحين طبّق الهدف الذهبي، لم تصبح الفرق أكثر هجوماً كما كان متوقعاً، بل زاد الحذر، لأن هدفاً واحداً كان يعني نهاية الحلم فوراً، وهناك من يقترح استمرار اللعب حتى يسجل أحد الفريقين، كما يحدث في رياضات أميركية مثل الهوكي أو السلة، على أساس أن المباراة يجب أن تُحسم من داخل اللعب لا من نقطة الجزاء. الفكرة تبدو رومانسية، لكنها في كرة القدم قد تتحول إلى استنزاف بدني هائل، خصوصاً في بطولة مضغوطة مثل كأس العالم.
واقتراح آخر يقوم على تقليل عدد اللاعبين تدريجياً في الوقت الإضافي، مثل البدء بعشرة ضد عشرة، ثم تسعة ضد تسعة، حتى تتسع المساحات ويزداد احتمال تسجيل هدف. الفكرة جذابة تلفزيونياً، لكنها ستُدخل اللعبة في مساحة أقرب للاستعراض منها إلى كرة القدم التقليدية.
ومن بين الأفكار المطروحة أيضاً العودة إلى تجربة الدوري الأميركي القديمة، حيث ينطلق اللاعب من مسافة 35 ياردة باتجاه الحارس خلال خمس ثوان، في اختبار يجمع بين السرعة والمهارة والقرار. هذه الصيغة تبدو أكثر تنوعاً من ركلة الجزاء، لكنها تظل خروجاً واضحاً عن جوهر اللعبة كما يعرفها العالم.
في المقابل، يرى كثيرون أن المشكلة ليست في ركلات الترجيح، بل في الوقت الإضافي نفسه. فغالباً ما يتحول إلى نصف ساعة باهتة، مليئة بالخوف والتبديلات، وتمنح المنتخبات الأكبر فرصة إضافية لتصحيح فشلها في الـ90 دقيقة. لذلك يطرح البعض فكرة إلغاء الوقت الإضافي تماماً والذهاب مباشرة إلى ركلات الترجيح.
لكن رغم كل الانتقادات، تبقى ركلات الترجيح الاختبار الأكثر حضوراً في ذاكرة الجماهير. هي قاسية نعم، وربما ظالمة أحياناً، لكنها جزء من تراث كرة القدم. فيها يولد الأبطال، وتسقط الإمبراطوريات، وتُكتب اللحظات التي لا تُنسى.
الخلاصة أن ركلات الترجيح ليست مثالية، لكنها حتى الآن الأقل سوءاً بين كل الحلول. ألمانيا عرفت أخيراً قسوتها في كأس العالم، وهولندا عاشت الجرح نفسه مجدداً. ومع ذلك، سيظل العالم ينتظرها، يخشاها، ويحبها في اللحظة ذاتها.