عمرو عبيد (القاهرة)
طُبِعَت مئات الكتب، لتوثيق نتائج وحكايات كأس العالم، عبر العصور، وكُتِبَت آلاف الكلمات للاحتفاء بالأبطال في كل دولة، واحتفظ ملايين البشر بألبومات الصور «المونديالية»، لكن بقيت الصحف الورقية والمجلات القديمة، التي أُصدِرَت عقب نهاية كل بطولة، بألوانها وطبعاتها وعناوينها العريقة، تحمل إرثاً إنسانياً وعاطفياً، يربط عبر التاريخ، بين «مونديال» و«مانشيت».
وفوق الغُلاف الرئيس لصحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأميركية، يوم 18 يوليو 1994، تصدّرت صورة نجوم البرازيل يحملون كأس العالم، مع عنوان «البرازيل تهزم إيطاليا وتُتوَّج بكأس العالم في مواجهة درامية بركلات الترجيح»، بينما استفاضت في الحديث عن المباراة النهائية، في صفحتها الأولى بالقسم الرياضي، مع عنوان طريف، قالت فيه: «البرازيل تفوز بيانصيب باسادينا».
وتابعت «لوس أنجلوس»: البطولة الرابعة للمنتخب البرازيلي تُحسم بركلات الترجيح 3-2 بعد تعادل سلبي، وكانت تسديدة باجيو الطائشة هي الضربة الفاصلة، وبالفعل تبدو كرة القدم لعبة قاسية، لأن أكثر بطولة تنافسية شهدتها اللعبة تقرر مصيرها في النهاية، بفعل «نزوة كرة جلدية» استقرت على نقطة جيرية تبعد 11 متراً عن المرمى.
الجهود الشاقة التي بذلها منتخبا البرازيل وإيطاليا، في خضم حرارة الصيف وتوقّعات جماهيرهما المتّقدة في بلديهما، انتهت إلى خاتمة كانت الأكثر دراماتيكية، والأكثر إيلاماً بالنسبة إلى إيطاليا، التي عادت مراراً وتكراراً في هذه البطولة من حافة الخروج، شاهدت في رعب فرانكو باريزي، أكبر لاعبيها سناً وأكثرهم خبرة، يُهدر أول ركلة ترجيح تُسدَّد في المباراة، وبعد دقائق، ارتجفت الأمة كلها حين سدّد منقذ الفريق المصاب، روبرتو باجيو، ركلته الحاسمة عاليًا فوق العارضة، لتحلّق في السماء وسط هتافات البرازيليين.
أما المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو باريرا، الذي تحمّل عن بلاده وزر كل قرار اتخذه، بدا مبلَّلاً بالعرق، لكنه مبتهج بعد المباراة، وقال: «شعرت وكأنني فرانك سيناترا، فعلتها على طريقتي، لم ألعب مباراة بهذا القدر من الإثارة في حياتي، كنت أشعر أننا سنحقق الفوز، وكان الأمر فقط مسألة استغلال للفرص، المباراة كانت أشبه بالحياة نفسها».
ونشرت الصحيفة الأميركية، داخل صفحاتها الرياضية، تحليلاً للمباراة بعنوان «قاعدة غير عادلة تضع نهاية لنهائي عادل»، كتبت خلاله أن البرازيل باتت الآن حاملة لقب كأس العالم 1994، بركلات الترجيح، ويمكن تقديم حُجة معقولة بأن أياً من الفريقين كان بإمكانه الفوز، لم تكن هذه «المباراة الحلم» التي تمنّاها البعض من هاتين القوتين الكرويتين العظيمتين، فقد لعب كل فريق الأسلوب الذي يعرفه.
لعبت إيطاليا مباراة دفاعية رائعة، وكان هجومها متأثراً بوضوح بإصابة باجيو في وتر الركبة، أما حارس مرماها باليوكا فقام بتصديات يصعب تصديقها، أنقذت فريقه من الهزيمة في الوقت الأصلي، في حين لعبت البرازيل مباراتها الهجومية القوية بصرياً، إذ كانت لديها فرص أكثر للتسجيل، لكنها واجهت صعوبة في استكمال هجماتها، كما واجهت هذه الصعوبة من قبل في البطولة، وكان الظلم الواضح في حسم المباراة بركلات الترجيح، بعد تعادل سلبي في الوقت الأصلي والإضافي، أمراً بائناً للجميع، كان من المؤلم رؤية الإيطاليين جالسين، منكسرين، على أرض الملعب، لكن كان سيكون مؤلماً بالقدر ذاته رؤية البرازيليين في الموقف نفسه.