معتز الشامي (جدة)
قدَّم منتخبنا الوطني أمام قطر أكثر من مجرد مباراة انتهت بالتعادل 1-1 وصدارة للمجموعة الثانية، إذ حملت المواجهة مؤشرات فنية مهمة قبل الانتقال إلى الاختبار الأصعب أمام عُمان في نصف نهائي «خليجي 27» بعد غدٍ السبت، بعدما أثبتت العناصر التي منحها زلاتكو داليتش الفرصة أن شخصية «الأبيض» لا ترتبط بتشكيلة واحدة، وأن الجهاز الفني بات يمتلك قاعدة واسعة من الخيارات الجاهزة، وكان المدرب قد أجرى تغييرات كبيرة على التشكيلة، بهدف اختبار عناصر جديدة ومنح عدد من الأساسيين الراحة قبل نصف النهائي. 
وتعكس الأرقام بوضوح ما قدمه المنتخب، فعلى الرغم من التغييرات، استحوذ «الأبيض» على الكرة بنسبة 57% مقابل 43% لقطر، وسدد 12 مرة مقابل 4 فقط، منها أربع تسديدات على المرمى مقابل اثنتين، كما تفوق في التمريرات الصحيحة بـ499 تمريرة مقابل 369، وحصل على ثلاث ركلات ركنية مقابل واحدة، والأهم أن المنتخب نفّذ 41 هجمة مقابل 26، وهي أرقام تؤكد أن الأفضلية لم تكن مجرد استحواذ سلبي، وإنما سيطرة صاحبتها قدرة أكبر على الوصول إلى الثلث الهجومي.
وبدا «الأبيض» أكثر حضوراً في نصف ملعب قطر، مع قدرة جيدة على تدوير الكرة ونقل اللعب وإجبار المنافس على التراجع لفترات، بينما ظلّت الخطورة القطرية محدودة. وجاء هدف قطر من إحدى الحالات القليلة التي فقد خلالها الدفاع تمركزه داخل المنطقة، ليسجل المعز علي، قبل أن يظهر رد الفعل الإماراتي سريعاً، ويواصل المنتخب ضغطه حتى أدرك علي صالح التعادل قبل نهاية الشوط الأول.
ومن أبرز المكاسب أيضاً أن التغييرات الواسعة لم تفقد المنتخب هويته. وجود عبدالله حمد وفابيو ليما وعلي صالح وحارب عبدالله ولوان بيريرا منح الوسط والهجوم القدرة على الاحتفاظ بالكرة، بينما تحرك الظهيران إلى الأمام بصورة مستمرة، وقدم خالد الظنحاني تحديداً حضوراً هجومياً لافتاً. ومع دخول بالا في الشوط الثاني ازدادت السرعة والقدرة على الاختراق، وكان قريباً من تسجيل هدف الفوز بتسديدة أبعدها الحارس القطري. 
لكن المباراة كشفت أيضاً جانباً يحتاج إلى مزيد من العمل قبل عُمان، وهو تحويل السيطرة إلى أهداف. فالفارق بين 12 محاولة إماراتية وأربع قطرية لم يظهر في النتيجة، كما أن امتلاك الكرة والوصول المتكرر إلى مناطق المنافس يحتاجان إلى دقة أكبر في القرار واللمسة الأخيرة، خصوصاً في مباراة إقصائية قد لا تمنح المنتخب العدد نفسه من الفرص.
وهنا تظهر قيمة إدارة زلاتكو لدور المجموعات بالبطولة، فالمدرب لم يكتفِ بتأمين التأهل، بل استثمر مواجهة قطر في إراحة مجموعة كبيرة من عناصره الأساسية، وفي الوقت نفسه اختبر عمق قائمته تحت ضغط مباراة قوية، وخرج بالصدارة وسبع نقاط، وهو نفسه أكد بعد اللقاء رضاه عن البدلاء، وأن منح الراحة لبعض اللاعبين استهدف استعادتهم كامل طاقتهم أمام عُمان.
وتشير المعطيات إلى أن مواجهة عُمان ستشهد العودة إلى التشكيلة الأقرب إلى القوة الأساسية، مع استعادة خالد عيسى لحراسة المرمى، وعودة عناصر مثل ماركوس ميلوني وعلاء الدين زهير ولوكاس بيمنتا ومامادو كوليبالي ونيكولاس خيمينيز إلى الحسابات الأساسية، فيما يبرز بالا كأحد الخيارات القوية للبدء بعد تأثيره الواضح عند مشاركته بديلا في المباريات الماضية. وهذه تبقى قراءة متوقعة وليست تشكيلة معلنة.
وبذلك خرج «الأبيض» من مباراة قطر بمكسبين في توقيت واحد، وهما أراح القوة الأساسية، واكتشف أن الصف الثاني قادر على السيطرة ومنافسة منتخب قوي دون تغيير شخصية الفريق. 
وعندما يعود زلاتكو إلى مزيجه الأقوى أمام عُمان، سيكون الاختبار الحقيقي هو الجمع بين الحيوية التي وفرتها الراحة وعمق الخيارات الذي أثبتته تجربة قطر، مع رفع الكفاءة أمام المرمى؛ لأن نصف النهائي لا يكافئ الأفضل في الأرقام بقدر ما يكافئ الأكثر حسماً.