تعتبر ثيمة «القرين» أو «المَثْنَى» (double) من الثّيمات القديمة قدم الأساطير والخرافات ومعتقدات الشّعوب. غير أنّ الجديد في الأدب الحديث هو أنّ ثيمة «القرين» قد اتّخذت وجوداً حقيقيّاً مرئيّاً مستقلاً. فمن هوفمان إلى فيودور دوستويفسكي مروراً بخورخي لويس بورخيس طائفة من الأدباء ما برحوا يختبرون ثيمة القرين في أعمالهم القصصيّة والرّوائيّة على غرار نابوكوف وبول أوستر وموراكامي والقائمة تطول. وقد استخدم كل واحد منهم ثيمة «القرين» على نحو مختلف. ويبدو أنّ جوزيه ساراماغو قد انضمّ إلى هذه الكوكبة بروايته «سنة موت ريكاردو ريس» ممارساً ثيمة «القرين» الأدبيّة بقواعد لعب مختلفة أوجزها في روايته (ص 66) بهذه العبارة: «[...] ولكنّه لا يكفي أن ينقش اسم على حجر، الحجر يبقى، إنّه محميّ، ولكن الاسم الّذي لا يأتي أحد لقراءته كلّ يوم يُنسى، يُمحى، يزول». 

إنّ مسألة الاسم عند ساراماغو كالاستعارة الملحّة ما فتئت تعود في أكثر من عمل في مدوّنته الرّوائيّة الثّريّة مثل رواية «كلّ الأسماء» الصّادرة سنة 1997، أو «الآخر مثلي أنا» الصّادرة سنة 2002، أي بعد رواية «سنة موت ريكاردو ريس» الّتي صدرت سنة 1984. 

غيريّة لا أقنعة
غير أنّ لعبة الاسم في هذه الرّواية قد مورست بقواعد أخرى نسمّيها لعبة القرين كان منطلقها لعبة «غيريّة الأسماء» l’hétéronymie عند فرناندو بيسوا، وهي لعبة مختلفة عن لعبة الأسماء المستعارة الّتي يتّخذها بعض الكتّاب كأقنعة يتنكّرون فيها وبها. فلعبة «غيريّة الأسماء» الّتي يختزل فلسفتها هذا المقطع الشّعريّ المكثّف: «نصفٌ نحن ما نحنُ إيّاه/‏‏ وما نُفكّر فيه نِصفٌ آخر/‏‏ في السّيلِ العارم يصل إلى/‏‏ الضّفّة نصف/‏‏ ويَغْرَقُ آخر». (فرناندو بيسوا، أناشيد ريكاردو رييس، «نصف آخر»، ص165)، ليست أقنعة، وإنّما هي أسماء توائمه الكثيرة الّتي بلغ عددها في إحصاء أجري سنة 1990 اثنين وسبعين اسماً، لا يشبه اسم منها الآخر، شديدة الاختلاف فيما بينها إلى حدّ التّناقض أحياناً. ذلك أنّ بيسوا قد وهب لكلّ اسم حالة مدنيّة وطبعاً خاصّاً وفرادة متميّزة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ألبرتو كييرو، وبرناردو سواريس، وألفارو دو كامبوس، وريكاردو ريس، وهي أسماء تناسلت جميعاً من بيسوا كأنّها كانت تأخذ منه في كلّ اسم جزءاً حتّى غدا المسمّى بيسوا Pessoa مطابقاً لاسمه الّذي يعني «شخص» أو «لا أحد». 
هويّة خياليّة
من تلك الأسماء تخيّر جوزيه ساراماغو اسم «ريكاردو ريس» واختار أن يزجّ به في كونه الرّوائي الخاصّ مكسباً ذلك الاسم هويّة سرديّة مختلفة عن هويّته الّتي ابتدعها بيسوا. فانقلب الاسم إلى شخصيّة روائيّة من شخصيّات التّخييل الرّوائي لا سبيل إلى وجودها إلاّ في عالم من العوالم الممكنة. فحين يلتقي ريكاردو ريّس بفرناندو بيسوا في المساء في غرفته بالنّزل، بعد أن كان قد زاره في المقبرة صباحاً وقرأ منذ شهر خبر وفاته وهو آنذاك في البرازيل، ويتجاذبان أطراف الحديث، فذاك دليل على أنّنا في عالم ممكن يطيق أن يتحوّل الفرد إلى فردين باسمين مختلفين. هذا الفرد المربك لمنطق الفرادات يسمّى الزّائد le surnuméraire. وهذا الزّائد هو القرين، أو هذا الأنا بما هو أنا ثان. فانتشار ثيمة القرين في الأدب المعاصر دليل على أنّ صورة الكائن المنعزل الّذي أنجبته الإيديولوجيا الفردانيّة والدّوكسا الرّومنطيقيّة مجسّمة في صورة «الإنسان الرّومنطيقيّ»، وهو إنسان ذو أعماق وأسرار ووجه آخر حميم، قد بدأت في التّراجع والانحسار لتحل محلّها صورة الإنسان التّوأم. 
سيسمّى هذا الأنا الثّاني بتسميات ملتبسة، مثل الآخر. وهي ملتبسة لأنّ الآخر طوال تاريخ الميتافيزيقا الغربيّة هو وليد الفصل وعمل الانفصال، في حين أنّ التّوأم لا يكون إلاّ بالوصل والاتّصال. ولا يكون الوصل إلاّ بلعبة القرين الّتي زاولها ساراماغو بقواعد لعب أخرى تخص الكون التّخييليّ الرّوائيّ عموماً. 
ولعلّ أبرز قواعد اللّعب الرّوائيّ عند ساراماغو هو جعل «المستحيل» الّذي لا يحدث أبداً «ممكناً»، أي ممكن الوقوع. ولعلّ روايته «انقطاعات الموت» قائمة على هذا الإمكان المستحيل، وهو إضراب الموت وتحقيق أمنية الناس في الخلود. تبدأ الرّواية بهذا الإعلان: «في اليوم التّالي لم يمت أحد...». ولكن إن كانت روايته «الآخر مثلي» على سبيل المثال تدخل في جهة المحتمل من جهات الإمكان عندما يصبح «الآخر»، بفضل الاستنساخ، نظيراً une réplique منّي فإنّ ما يدخل في جهة المستحيل حقّاً هو مخالفة مبدأ الثّالث المرفوع، كأن يكون الفرد حيّاً وميّتاً على النّحو الّذي نجده في رواية «سنة موت ريكاردو ريس». وهذا الإمكان المستحيل نجده قد تحقّق في اللّقاء الأوّل الّذي جمع ريكاردو ريس بقرينه فرناندو بيسّوا الميّت، في هذا المشهد العجيب: «في الوقت الحاضر أنا هنا، وفي نهاية المطاف، أعتقد أنّي عدت لأنّك ميّت، وبعد موتك كنت أنا الوحيد الّذي يستطيع أن يملأ المكان الّذي كنت تشغله. لا يمكن لأي حيّ أن يحل محل ميّت. ليس أي منّا حيّاً حقّاً ولا ميّتاً حقّاً. [...] سأل ريكاردو ريس إذ ذاك: قل لي، كيف عرفت أنّي نزلت في هذا الفندق؟ عندما يكون المرء ميّتاً يعلم كلّ شيء، هذه إحدى المزايا، أجاب فرناندو بيسوا». (سنة موت ريكاردو ريس، ص91).
إذا استحضرنا أنّ «ريكاردو ريس» هو في الأصل اسم من أسماء فرناندو بيسوا الغيريّة، فإنّ انقلاب هذا الاسم إلى بطل في رواية ساراماغوا يلتقي بمبتدعه السّابق بيسوا الّذي أصبح بدوره شخصيّة روائيّة، إنّما يضعنا أمام وقائع غريبة، لأنّه من المستحيل أنّ تلتقي الشّخصيّة الخياليّة بمؤلّفها الواقعي، كأن يلتقي أوليس بهوميروس، أو هملت بشكسبير، أو دون كيخوته بسرفانتس، اللّهم إلاّ في عالم من عوالم التّخييل الممكنة.