د. سعيد توفيق

«جماليات القُبح»! لا شك في أن هذا التعبير سيبدو منطوياً على تناقض في نظر القارئ العام، إذ لا يمكن للنظرة الشائعة الجمع بين الجمال والقبح في سياق واحد. والحقيقة أن سبب الشعور بهذا التناقض في النظرة الدارجة هو افتقار تلك النظرة إلى فهم الاختلاف بين مفهومي «الجمال في الفن» و«الجمال في الطبيعة»، إذ يخلط معظم الناس بين هذين المفهومين، فيظنون أن الجميل في الفن يعني تصوير أو تمثيل الجميل في الطبيعة. ذلك هو الخطأ الأكبر في فهم عوام الناس لمفهوم الجماليات أو الجميل في الفن the aesthetic، إذ يخلطون بين هذا المفهوم وبين مفهوم الجميل the beautiful على إطلاقه.
والواقع أن هذين المفهومين ليسا مترادفين على الإطلاق: فالجميل في الفن (أو ما يُسمى بجماليات الفنون) يتسع إلى ما هو أبعد كثيراً من تمثُّل الجمال في الطبيعة، إذ يتسع ليشمل تمثُّل كل شيء وأي شيء في الطبيعة أو الحياة الإنسانية، ما دام هذا التمثُّل يتجلى من خلال لغة الفن. والعبارة العبقرية لكانط في هذا الصدد هي أن «الجمال الطبيعي يعني أن هناك شيئاً ما يكون جميلاً، بينما الجمال في الفن يعني تمثُّلاً جميلاً لشيء ما»، وهذا يعني أن أي موضوع يمكن أن يكون موضوعاً للتمثُّل الفني، أياً كان هذا الموضوع، حتى إن كان موضوعاً قبيحاً في الطبيعة. ذلك أن مناط الأمر في هذه المسألة هو التمثل الفني لموضوع ما.
والواقع أن مفهوم «جماليات القبح» يتبدى بقوة في فنون الأدب والتصوير والسينما، وفي غير ذلك من الفنون. وحيث إن تتبع هذا المفهوم في الفنون يتطلب استقصاءً مستفيضاً، فإننا سنكتفي بإيضاحه من خلال بعض الأمثلة التي يمكن استيعابها بسهولة: 
لنأخذ -على سبيل المثال- موضوعات مألوفة في الواقع والحياة الإنسانية، نشعر إزاءها بالخوف والقلق أو النفور باعتبارها موضوعات لا تتصف بالجمال، وهي باختصار غير محببة إلى نفوسنا، وذلك من قبيل: البخل الشديد ومرذول الأخلاق، والشر ممثلاً في الظلم وتوقيع الأذى، والقهر والمرض، والموت في النهاية. فعلى الرغم من أن النفوس السَّوية تستاء من الشخص البخيل وتأبى أن يكون قدرها الارتباط به في صلة ما، فإننا جميعاً نستمتع ونعجب بشخصية البخيل حينما تكون مصوَّرة من خلال عمل أدبي، كأن نتأملها من خلال عمل الجاحظ «البخلاء»، أو عمل موليير «البخيل»!

أدوار الشر
وعلى النحو ذاته، فإن النفس السوية أو العادية تنفر أيضاً من الشر، وهذا النفور يعد طبيعيّاً، بدليل أن فطرة الطفولة بطبيعتها تنفر من الشر (فالطفل لديه حساسية فطرية تجعله ينفر من الأشرار)، ومع ذلك فإننا قد نعجب بالعمل الأدبي أو السينمائي الذي يجسد معنى الشر ونستمتع به، كما هو الحال عندما نستمتع بأداء ممثل ما -مثل عادل أدهم- في أداء أدوار الشر! فالحقيقة أننا في هذه الحالة لا نستمتع بالشر ذاته (وإلا كنا غير أسوياء نحتاج إلى علاج نفسي)، وإنما نحن نستمتع بتمثيل الشر.

الفن مرآة للحياة
وفي ضوء هذا يمكن أن نفهم مدلول عبارة كانط العميقة سالفة الذكر وهي: «الجمال الطبيعي يعني أن هناك شيئاً ما يكون جميلاً، بينما الجمال في الفن يعني تمثُّلاً جميلاً لشيء ما». وربما يفسر هذا لنا أيضاً العبارة التي نرددها دائماً، وهي أن «الفن مرآة للحياة»، على أن نضع في حسباننا هنا «الحياة بكل ما فيها»، فكل ما يحدث في الحياة يمكن تصويره أو تمثله بلغة الفن، بل إننا لن نجانب الصواب إذا قلنا: إن الفن غالباً ما يعبر عن المريع والمروّع والمأساوي في حياتنا، ولكن بشرط أن نعي أن الفن يعبر بروعة حتى عندما يعبر عن القبيح والمروِّع، ويعبر ببراعة حتى حينما يعبر عن حالات الفشل واليأس والقلق والإحباط في حياتنا.

لوحة تيودور جيريكو
ولنأخذ مثالاً آخر من فن التصوير: لوحة تيودور جيريكو Theodore Gericault بعنوان «امرأة حاقدة». لقد اعتاد هذا الفنان تصوير الحالات الشاذة في الطبيعة بوجه عام وفي الطبيعة الإنسانية يوجه خاص. وفي أثناء زيارة له لأحد مستشفيات الأمراض العقلية، شاهد تلك المرأة مهلهلة الثياب، والتي تنظر شزراً بعينين حمراوين إلى المجهول، ربما إلى العالم الذي لفظها، فراحت تنظر شزراً إلى هذا العالم. فإذا صادفنا مثل هذه المرأة في الحياة الواقعية، فإننا غالباً سنشعر إزاءها بالنفور، وربما نشعر إزاءها بمشاعر الشفقة والتعاطف، إن كانت تسكننا روح فنان. أما إذ كنا فنانين بحق، فإنها يمكن أن تكون موضوعاً لتصويرنا الفني مثلما فعل هذا الفنان العظيم. لقد كان فان جوخ نفسه يفعل شيئاً من هذا القبيل، وكان يقول إن ما يراه من شر وقلق وأشياء مروعة هو ما يحفزه على تصويره من خلال ألوان زاهية لها بريق ولمعان خاص. وها هو ذا الفنان النرويجي الكبير إدفارد مونك Edvard Munch يصور حالته النفسية التي هيمنت عليه في لحظة ما، فعبر عن ذلك بتصوير شخصية يعذبها ضجيج هذا العالم، وتظهر في الخلفية سماء حمراء مكفهرّة.

الموت.. رمزيّاً
وكذلك فإن الموت يظل موضوعاً أثيراً في الأدب وفي فن التصوير أيضاً: فها هو ذا ألبيرت رايدر يصور الموت تصويراً رمزيّاً في لوحة يتبدى فيها الموت فارساً لا يشق له غبار يمتطي رهواناً، ويحوم في دورات مسرعة شاهراً منجله الذي به يحصد الرؤوس، فلا يبقى معه (في اللوحة) سوى شجرة ذابلة في مشهد يتجسد على خلفية من سماء يتخللها لون رمادي كالح يمتزج بلون فسفوري باهت، وكلا اللونين يجسدان صفرة الموت وبهَتانه. والشاهد أن ما يمتعنا هنا ليس الموت، وإنما التصوير الجمالي للموت من خلال اللون، وتشكيل أجزاء اللوحة: فليس الموت هو ما يكون جميلاً، وإنما التصوير الفني للموت هو ما قد يكون جميلاً أو ينتمي إلى مجال الجماليات. ومن شاء المزيد، فليرجع إلى الكثير من أعمال المصور العبقري «جويا»، التي يسودها الرعب والقلق والكآبة والموت، ولكن كل هذا يكون مقدماً لنا بلغة الفن الجميل، أي من خلال التشكيل الجمالي. أو ليرجع إلى أفلام هتشكوك التي يسودها أيضاً شيء من هذا القبيل.