محمود إسماعيل بدر (عمّان)

تقع مدينة جرش الرومانية في الجهة الغربية من العاصمة الأردنية عمّان، على بعد 48 كم منها، كانت مأهولة بالسّكّان منذ قديم الأزمنة، في العصرين البرونزي والحديدي (3200 ق. م/ 1200 ق. م)، وتشير الوثائق والأدوات الصّوانية إلى أن الإسكندر المقدوني هو الذي بناها في القرن الرابع قبل الميلاد، وهي مدينة بنيت على أنقاض مدينة قديمة تعود إلى عام 1600 ق. م، وبقيت جرش حتى ضربها زلزال عنيف عام 747 م، أتى على معالمها ومنشآتها، إضافة إلى ما أصابها من تدمير نشأ جراء الحروب. 
هذه المدينة العريقة التي تحكي قصص الحضارة ظلّت مطمورة تحت الأنقاض إلى أن اكتشفها الرّحالة الألماني سيتزن عام 1806م، وقد تعاقبت عليها أمم وحضارات، مما جعلها متنوعة الثقافة والعمران، وتظهر معالم تلك الحضارات بالمدرجات والساحات والأعمدة التي قدرت بألف عمود والتي ما زالت تعانق السماء والحجارة المزخرفة بالنقوش والرسومات والهياكل والمعابد والكنائس، ومن خلال موقعها الفريد وتعاقب الحضارات عليها شكّلت جرش موقعاً متقدماً في مجال الفن المعماري.

  • أكرم مصار وة

تأخذك مدينة جرش على الدوام في رحلة من السحر والجمال والخيال، حتى تكاد وأن تسير في شوارعها المرصوفة بالحجارة المصقولة أن تسمع صوت العربات وصهيل الخيول وأصوات أهل الأسواق، وهم ينادون على بضاعتهم، وحركة البشر في المدرجات والمسارح، حيث يوجد بها مدرجان: الأول في جنوب المدينة الأثرية والثاني يقع في أقصى شمالها، وقد تم إنشاؤهما لغايات إقامة الاحتفالات الشعبية والدينية وأيضاً لإقامة الندوات والاجتماعات الكبيرة وقد تم إنشاء المدرج الجنوبي في أواخر القرن الثاني الميلادي، أما المدرج الشمالي فقد بني بين عامي 164 و165 م، ثم تجد سبيل الحوريات وتم إنشاؤه في أواخر القرن الثاني الميلادي، ويتكون من طابقين كل منهما على شكل نصف دائري، وقد تم تصميمه بحيث تصل إليه المياه من بركتين تقعان شمال المدينة بواسطة أقنية خاصة.
حين يكون الحديث عن مدينة جرش، فهو عن الفن والإبداع والجمال، فهي المدينة التي تستفيق كل صباح على خيوط الشمس الذهبية التي تعانق ذلك الإرث الحضاري الضارب في عمق التاريخ الذي يعيد المتأمل فيها إلى آلاف السنين ليقرأ فيها سفراً عظيماً من الحضارات الإنسانية، لذا أصبحت من أفضل الوجهات السياحية عالمياً، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى كلمة «جراشا» والتي تعني المكان الكثيف الأشجار، ويقال إنّ الإغريق أطلقوا عليها اسم «جراشا»، وتتكون في مجموعها من شوارع معبدة ومعمدة، ومعابد مرتفعة، ومدرجات ومسارح، وميادين وقصور، وحمامات، ونوافير وأبراج وبوابات. 
وتشتهر بآثارها المتنوعة التي تذهل عقل كل من شاهدها، ومن أشهرها بوابة هدريان «قوس النصر»، والتي أقيمت عام 130م، احتفاءً بزيارة الإمبراطور الروماني هدريان إلى المدينة.
منذ عام 1983 وجرش مدينة الحضارات وخزائن الأسرار، تستضيف كل عام «مهرجان جرش للثقافة والفنون» والذي كان أكرم مصاروة أول مدير له، وهو مهرجان ثقافي عام تمتزج به الثقافة بالتاريخ، ويمتاز بالعروض الفلكلورية الراقصة التي تؤديها فرق محلية وعالمية، ورقصات الباليه والأمسيات الموسيقية والشعرية والعروض المسرحية والأوبرا، كما يقام على هامشه معرض ضخم للمصنوعات والمشغولات اليدوية والحرفية التقليدية، وقد أسست دائرة الآثار بها عام 1928 متحفاً في قبو معبد آرتميس يضم مكتشفات أثرية.