هو عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود بْن غافل بْن حبيب بْن شمخ بْن فار بْن مخزوم الهذلي، مناقبه غَزِيْرَةٌ وَسِيرَتُهُ حَمِيدَةٌ، فَهُوَ صحَابِيٌّ جَلِيلٌ من السابقين إلى الإسلام، قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا، وهو أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي مَكَّةَ، وهاجر إِلَى الحبشة وَإِلى المدينة وشهد بيعة الرضوان، وكان مقرباً من النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وكثير الدخول عليه، حتى كان من يفد يظن أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وأخذ سَبْعِينَ سُورَةً مِنْ فَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وطلب منه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عَلَيه، فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَبَكَى. وَأثنى صلى الله عليه وسلم على قراءته، فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضّاً كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ». وكان أَقْرَبَ الناس سَمْتًا وَهَدْيًا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وتوفي رضي الله عنه بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وكان عمره يَوْم توفي بضعا وستين سنة.
كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُدْوَةً لِلْمُعَلِّمِينَ، يَرْفُقُ بِطُلَّابِهِ، وَيُعَامِلُهُمْ بِجَمِيلِ أَخْلَاقِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا رَجُلاً أَحْسَنَ خُلُقاً، وَلَا أَرْفَقَ تَعْلِيماً، وَلَا أَشَدَّ وَرَعاً، وَلَا أَحْسَنَ مُجَالَسَةً مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوْ أَفْضَلَ.
كما كان يعتني بِمَظْهَرِهِ، وَطِيبِ رَائِحَتِهِ، فَكَانَ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ ثَوْباً، ومِنْ أَطْيَبِهم رِيحاً. وَكَانَ يُعْرَفُ بِاللَّيْلِ بِرِيحِ الطِّيبِ، فَأَحَبَّهُ النَّاسُ لِغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَحُسْنِ خُلُقِهِ، وَطِيبِ جَوْهَرِهِ، وَجَمَالِ مَظْهَرِهِ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ، لَا يَشْبَعُونَ مِنْ عِلْمِهِ، قَالَ أَحَدُ طُلَّابِهِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا كُلَّ خَمِيسٍ فَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتٍ، فَيَسْكُتُ حِينَ يَسْكُتُ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَزِيدَنَا، فَمَا أَحْسَنَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُعَلِّمُونَ في أَخْلَاقِهِ، وَجَمَالِ مَظْهَرِهِ، وَكَثْرَةِ عِلْمِهِ.