ساسي جبيل (تونس)

المسيرة الإيجابية في الحياة تصنع بالعزيمة، وترتقي بالفعل الجاد والإضافة النوعية من خلال الاندماج والمساهمة والامتزاج التلقائي بالمجتمع، وتجاوز كل المعوقات. في هذه المساحة نستعرض سيرة حياة كُتاب وفنانين ومبدعين من أصحاب الهمم، ارتبطت أسماؤهم بتجاوز العوائق والقدرة على التفوق والتألق.
ولدت هيلين كيلر في مدينة تسكمبيا التابعة لولاية ألاباما بالولايات المتحدّة الأميركيّة سنة 1880، وقبل أن تبلغ الثانية من عمرها أصيبت بمرض أفقدها السّمع والبصر، ما أقعدها فغيّم على حياتها البؤس منذ طفولتها، غير أنها اعتمدت على الإشارة في تعلّمها فكانت تساعد في أعمال المنزل بمهارة فائقة.

  • هيلين كيلر

دخلت هيلين معهد فاقدي البصر في الرابعة عشرة من عمرها، ولم يثنها العزم على التفوقّ في الدّراسة، حيث امتازت بكثرة الحركة، فهي تجري بلا انقطاع وتلمس كلّ شيء من دون أن تكسّره أو تتلفه وتعلّمت بسرعة القراءة على طريقة «برايل»، وبدأت تؤلّف رسائلها الأولى في سنّ السادسة عشرة من عمرها، وغُرمت بالجغرافيا والطبيعة، فكان ذلك محفزّاً مهمّاً للاستطلاع والتنقلّ بين الأودية والتّضاريس فحفظت أسماء النّباتات، وعرفت طرائق نموّها وأساليب رعايتها. 
أرادت هيلين الكلام، فتدرّبت مع معلّمتها سوليفان، وكانت مهمّة شاقة وانقضت مدّة طويلة حتّى تمكّنت من فهم الأصوات فكانت تصدرها بصعوبة، حتى تمكنت من تأليف أوّل جملة «أنا لم أعد بكماء»، وشيئاً فشيئاً أخذت تجهد نفسها بإعادة الكلمات وممارسة النطق فتحسّن لفظها وازداد وضوحاً عاماً بعد آخر، فيما يعدُّ من أعظم الإنجازات الفرديّة في تاريخ تربية وتأهيل أصحاب الهمم.
كان خطّها في غاية الإتقان عندما كتبت أوّل رسالة إلى مجلّة «سنت نيكولاس» وتميّزت بذكاءٍ عالٍ، وكانت تدرك بإحساسها ما إذا كان الأهل ينتظرون ضيفاً مثلاً، وحضرت في حادثة فريدة من نوعها مباراة كرة قدم، فكتبت في إحدى رسائلها أنّ الّذين شهدوها بلغوا 25 ألف شخص، فهي على الرغم من صممها كانت تحسّ باهتزازات الأصوات والدوي المحيط بها.

كانت تدرك نوع أحاسيس كلّ شخص تلمسه أو تتصل به، وقد بدأت خطواتها في التميّز في المرحلة الجامعيّة وأمكنها أن تتخرّج في سنّ الرابعة والعشرين من الجامعة حاصلة على بكالريوس علوم، وذاعت شهرتها، فراحت تنهال عليها الطّالبات لإلقاء المحاضرات وكتابة المقالات في الصّحف والمجلات، وعملت على الإحاطة بالمكفوفين الذين لم يكونوا محظوظين مثلها، فعُيّنت عضواً في لجنة المكفوفين في ولاية مساتشوستن.
كانت هيلين في أوقات فراغها تخيط وتطرز وتقرأ كثيراً، وأمكنها أن تتعلّم السّباحة والغوص وقيادة المركبة ذات الحصانين فكانت مندمجة بطريقة عجيبة مع العالم، ثمّ نالت رسالة الدكتوراه في الفلسفة بعد مثابرة في التحصيل فألّفت «قصّة حياتي» و«العالم الّذي نعيش فيه» لخّصت فيهما معنى إرادة القوّة.
توفيّت هذه الشخصيّة الأعجوبة عام 1968.