عبد السلام بنعبد العالي

يحدثنا الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو في كتابه الأخير «في جو من الندم الفكري» عن علاقته بالأدب، أو كما يقول هو عن «أسطورته الشخصية» فيقول:
«سعيْت طيلة سنوات الدراسة لتعلّم اللغة الفرنسية، ثم درست أدبها لمدة تفوق أربعين سنة، لم أنطق خلالها بكلمة عربية أو باسم مؤلف عربي أمام الطلاب... لم أحتفظ بما ألقيت من دروس، فما إن تنتهي الحصّة حتى أمزّق أوراق التحضير. لم يَبق أيّ أثر لسنوات من الكلام الأكاديمي. كما أنه لم يعنّ لي إلا نادراً أن أنشر دراسة عن الأدب الفرنسي، لأنني أعلم أنني لن أضيف شيئاً يُذكر لما يكتبه الفرنسيون. وفضلاً عن ذلك، فإنهم، وهذا هو المهمّ، لا ينتظرون مني أن أكتب عن أدبهم. أدبُهم لا يحتاجني! على العكس من ذلك لم يفارقني شعور، ساذج بلا شك، أن الأدب العربي يحتاجني بقدر ما أنا أحتاجه، كان ذلك اعتقاداً ثابتاً لديّ، ولولاه لما كتبت على الإطلاق. لم يفارقني شعور مبهم أن بمقدوري أن أضيف شيئاً إلى الأدب العربي، شيئاً بسيطاً، تافهاً، ربما لا شيء... شعور ناجم بالضبط عن اطلاعي على الأدب الفرنسي والأوروبي بصفة عامة. يمكن أن أقول إنني درَستُ هذا الأدب... كي أكتبَ مستقبلاً بالعربية، تعلمت الفرنسية، ويا للمفارقة، استعداداً للكتابة بالعربية! إنها أمانٍ اختلقتها أو فرضت نفسها عليَّ، ولا فائدة من التساؤل عن مدى مطابقتها للواقع. إنها «روايتي العائلية»، أسطورتي الشخصية التي لم أنفك أحدِّث بها نفسي عن علاقتي بالأدب».
أوّل ما يلفت انتباهنا في ما يقوله كيليطو هنا هو رغبته الملحّة في نسيان الدروس التي ألقاها حول الأدب الفرنسي لمدة تفوق الأربعين سنة، بل إن شدة تلك الرغبة في المحو كانت تذهب حتى إتلاف أوراق التحضير وتمزيقها حتى لا يتبقّى منها أيّ أثر. كان متأكداً تمام التأكد أنه لن يكون في حاجة إليها، لكونه لم ولن يعنَّ له أن ينشر دراسة عن الأدب الفرنسي، ذلك الأدب الذي ليس في حاجة إلى عربيّ كي يكتب عنه، فقد تكفّل به أصحابه بما يكفي. غير أنّ ما يثير الانتباه في اعتراف صاحب «في جو من الندم الفكري» هو عملية تمزيق أوراق التحضير! عادة ما يذهب المشتغلون بالكتابة والتأليف إلى الحفاظ على مخطوطاتهم والعناية بمسوداتهم، أو على الأقل، تناسيها، فربما رجعوا إليها فيما بعد. ولكن أن يصرّ الأستاذ على تمزيق أوراق التحضير، ومحو كل أثر لها، دليلٌ قاطع على رغبة حقيقية في «القطيعة»، واقتناع تامّ بأن الكتابة والتأليف في هذا المجال أمر غير وارد على الإطلاق.

محو الأثر
يبدو إذاً أن كيليطو كان قد تبيّن طريقه، أو على الأقل، ظهر له أنه تبيّن تلك الطريق. ولكن، أصحيح أن صاحب «الكتابة والتناسخ» قد أوْلى ظهره بالفعل للأدب الأوروبي؟ وهل في مقدور الدارس أن ينسى ما دار في خلده كل هذه الفترة من الزمان. يستعمل كيليطو عبارة «محو الأثر» دلالة على القطيعة التامة مع هذه الحقبة. ولكن، هل يُمحَى الأثر Trace؟ أليست بنية الأثر بالضبط، كما يقول دريدا بعد ليفيناس، هي البقاء بالمحو، هي الحضور بالغياب؟ عندما يعبّر كيليطو عن الشّعور الذي لم يفارقه قطّ أن بإمكانه أن يضيف شيئاً إلى الأدب العربي، يبرّر ذلك الشعور بأنه ناجم عن اطّلاعه على الأدب الفرنسي والأوروبي بصفة عامة. ها نحن نلمس أن لتلك السنوات من «الكلام الأكاديمي» أثرها مع ذلك، وأن هناك مفعولاً للأدب الفرنسي، وأن أثر هذا الأدب على مُدَرِّسه لم يمحَ على الإطلاق.
قد يستفاد من ذلك، لأول وهلة، أن كيليطو لا يعترف هنا إلا بديْنه المنهجي لدراساته للأدب الفرنسي، ذلك الأدب الذي خوله أن يكتب عن الأدب العربي. فكأن الاطّلاع على الأدب الأوروبي يمكّن الدارس من الأدوات المنهجية لدراسة أدبه هو. غير أن عيب هذا التأويل يكمن في أنه ينطلق من الفصل التامّ بين المنهج والموضوع، فيرى أن باستطاعة المرء، إن هو تمكّن من مناهج أثبتت نجاعتها في ميدان، أن ينقل تلك المناهج إلى سياق آخر فيطبقها عليه.

الموضوع  والمنهج
لا يكفي، ردّاً على هذا الموقف، أن نذكّر بما تثبته الإبستيمولوجيا المعاصرة من ارتباط شديد بين المنهج والموضوع، بل من الضروري أن نفتح المسألة على ما تؤكده دراسات الأدب المقارن، حيث نتبين أن العلائق بين الآداب والثقافات لا تُخْتزل في مسألة العلاقة بين الموضوع والمنهج، وأن التثاقف يتيح للدارس أن يتموْضع بين ثقافتين، وينهل من منبعين، وينظر في اتجاهين.
يحكي كيليطو أنه التزم بالمساهمة في مقال عن رواية غوستاڤ فلوبير «التربية العاطفية» وخصوصاً أن المشرف على الكتاب شجّعه على ذلك لما قد تتضمنه مساهمته من «نغمة مستطرفة مميزة، شيء لا يمكن أن يأتي به إلا قادم من ثقافة مختلفة، غير أوروبية، من لغة الضاد»، إلا أنه يعبّر عن ندمه لكونه لم ينجز ذلك البحث. كأنه «يندم» على تمزيقه لأوراق تحضير دروسه في الأدب الفرنسي. 

الكتابة والاختلاف
غير أن صاحب «في جو من الندم الفكري» سرعان ما سيتبين أن المسألة بالنسبة إليه ليس أن يختار بين أن يكتب عن الأوروبيين أو عن الأدب العربي، ذلك أنه، حتى عندما يقرأ الأدباء العرب يكون ذهنه منصرفاً إلى غيرهم:
«بادئ الأمر، كنت قد أنجزت مُسودّة الغائب بالفرنسية، لكنني حرصت على إصداره بشكل آخر، أعدت كتابته بالعربية... ربما قمت بذلك دفاعاً عن لغة بدت لي مهضومة، ربما بالأحرى تضامناً مع مؤلفين أحببتهم في صغري، من أمثال توفيق الحكيم وطه حسين، لم يكونوا يخفون إعجابهم بالأدب الفرنسي. في تمارين الإنشاء المدرسي، كنت أحتمي بهم. ضد من؟ كنت أقرؤهم بالعربية وذهني منصرف إلى الفرنسية... كان يلزم انتزاع حق الكتابة باللغة العربية وفرض نفسي ككاتب عربي يواجه رهاناً صعباً، مجنوناً، ألاّ يكتُبَ كالأوروبيين، وأن يَختلف في الآن نفسه عن المؤلفين العرب الذين اطلع على مصنفاتهم».
ليست المسألة إذاً بالنسبة لصاحب «اللسان المفلوق» أن يكتب عن الأوروبيين أو عن الأدب العربي، وإنما أن يواجه، كما يقول، رهاناً صعباً، ألاّ يكتُبَ كالأوروبيين، وأن يَختلف في الآن نفسه عن المؤلفين العرب. المسألة إذاً هي أن يكتب عن أولئك وعن هؤلاء، لكن، أن يكتب لا كهؤلاء ولا كأولئك.