لغة الجسد المقصودة هنا هي اللغة التي نعرفها ونتداولها تلك التي تقوم على عنصري الفهم/ الإفهام، ونفهم عبرها العالم من حولنا وفي الوقت ذاته نسعى إلى إفهام العالم عنا، وهي اللغة التي تحوي منظومة معقولاتنا ومنظومة وجداناتنا، ولكنها مع قوتها وسلطتها ومؤسسيتها تظل قاصرةً عن بلوغ كل حاجات النفس، وتحديداً حاجات الروح، ولذا نلاحظ أننا نلجأ للدموع كلما تعطلت قدرات لغتنا عن التعبير فتكون العبرة بفتح العين تعويضاً عن قصور التعبير، وكل موقف حاد المعنى وعميقه نجد أن لغةً أخرى غير تلك التي تعلمناها ومهرنا بها تأتي لتسعف ضعفنا فتكون اللغة التي لم نتعلمها ولم نصرف على تعلمها مالاً ووقتاً هي أول حالة تعبير نعبر به مذ أول لحظة لميلادنا، وهي اللغة التي ستكون في وداعنا لحظة «اليقين».
وهذا واضح، ولكن الأخطر هو عجز لغتنا عن فهم الحقائق الكبرى، وحقيقة ما قبل ظهور الجسد، أي قبل ميلاد الفرد منا وأيضاً ما قبل بدء الحياة الكونية، مثل لحظة تحرك جسد آدم من جسد مسجى بين يدي الله إلى جسد له روح وله لغة، وهما معاً هبتان له من الله، وهذه حالات دقيقة جداً لن تسعفنا لغتنا التي نعرفها على تصور هذه الحالات الأولية، وسنحتاج للغة الروح لكي نؤمن بهذه الأحداث التي يعجز العقل عن تصورها، وذلك أن درجات لغة الروح تتجاوز حدود الواقع، وإذا بلغت هذه الدرجة آمنت بما تعجز لغة الجسد عن تفسيره عبر شروطها الواقعية، وعلامة ذلك في لغة الخيال، ولغة الأحلام التي لدينا معهما خبرات ذاتية نعرف عبرها أننا نرى ونتصور أموراً تختلف نوعياً و«مفاهيمي» عن لغة اليقظة أي لغة الجسد في حين يقظته، وقياساً على هذا، فإن مثال لغة الأحلام ولغة الخيال تساعد على تصور مفهوم لغة الروح التي هي في المصطلح الديني لغة المعجزات، وهي تشير إلى عجز العقل البشري عن تصورها لعدم تطابقها مع شروطه، ولكننا نرى في أحلامنا رؤى لا تخضع لشروط العقل وفي الوقت ذاته نصدقها تصديقاً مطلقاً لحظة حدوثها، ويحدث لنا ردود فعل بعد تيقظنا فنسعى للاستبشار بالمفرح منها وننقبض مع غير المبهج، والمهم هنا هو تذكر حالنا في النوم وكيف صدقنا واقتنعنا وانفعلنا مع أحداث الأحلام، وكيف ننكرها بعد التيقظ إلا إذا عقلناها، إما بتأويلها أو بتحليلها حسب علم النفس مثلاً، أو بردود الفعل المتكومة التي تداري كشف الانفعلات حولها، وهنا ندرك الفرق النوعي بين لغة الجسد، ولغة الروح، وكيف أن لغة الروح تفسر لنا الرغبة العميقة في الإيمان، وفي الانعتاق من القيود.
واللغة أخطر النعم حسب كلمة هيلدرلن، ولكن الجسد يقمع لغة الروح، فيجعلها تفكر بالحقائق الجزئية ويوقفها عند الجزئي الجسدي برغبات الجسد وشهواته أو مخاوفه، بينما لغة الروح التي تعجز عنها لغة الجسد هي لغتنا الأخرى بمجازاتها ودلالاتها المختلفة، ولها نظام معجمي ونحوي يتجدد حسب شروطه وحسب لحظات حضوره، وسيأتي على شاكلة رموز وإشارات تحتاج لنظام تأويلي مختلف.