إبراهيم الملا 

«يا ليت من في ظل سَمْرَه/ مْقِيّد ركابه ومرتاح
في سيح جَفْرْ وعقب خَطْره/ فيه المِهَبّ يدوج بِرْياح
تسقي (الرفيعه) يوم وَطْرَه/ يوم العرب في زيّ وأفراح
تسجيه سود المِزِن عَصْرَه/ برعودها والبرق لوّاح»

يوثّق الشاعر ناصر بن سالم العويس لظواهر الطبيعة باعتبارها عنصراً محفّزاً لصياغة مزاجه الشعري، فهي ظواهر لها سحرها وحضورها في البصر والبصيرة، وبالتالي لا يمكن لشاعر مرهف الحسّ ومغرم بالوصف مثله، أن يفرّط في استثمار تأثيرها عليه، وتوظيفها في شعره كمقدّمة أو عتبة جمالية يستند إليها قبل أن يبوح بفحوى قصيدته ولبّ مقصده، يصوّر شاعرنا في مقدمته الزاهية الأنساق التفاعلية بين الذات والمكان، معتبراً منطقة «الرفيعه» في البادية الوسطى لإمارة الشارقة موئلاً للمناظر المبهجة في الجغرافيا المشهدية لأهل الصحراء، بادئاً مطلع القصيدة بالتمني «يا ليت»، وكأنه يوحي للمتلقي بقرب تحقّق المطلب، وحيازة الهدأة والطمأنينة بعد عناء وتعب، مستعيناً بالصورة الذهنية لظلال شجرة السمر كي يؤكّد هذا الرجاء وهذا المطلب، فهي ظلال يستريح تحتها المسافر في «سيح جفر» - أي أرض واسعة وممتدّة - تتلاعب فيها رياح المهبّ المبشّرة الأمطار، وهو ما يحدث فعلاً عندما تتوافد الغيوم الثقيلة «سود المزن» إلى منطقة الرفيعة لتحقق أمنية الشاعر، وتكافئ صبره، وتؤكّد صدق حدسه، عندما تحيل الأمطار المكان إلى كرنفال من الفرح «يوم العرب في زيّ وأفراح»، فتتقاطع في هذا الكرنفال النابض بالحركة صورة البروق وصوت الرعود لتكتمل عناصر «الرؤية» و«الرؤيا» وتشتبك روافد الماء المتدفق من السيول، مع روافد القلوب الولهى للجمال والاجتماع واللقيا، الأمر الذي شعرنا بانعكاساته الحقيقية وتوابعه الملموسة في المقطع الثاني من القصيدة، والتي يقول فيها الشاعر:

«بو يادلٍ مجلود خصره/ بو مبسمٍ ممزوج بالراح
كلهم مطيعينه وفي أمره/ ولا حد عنّه بالنفس شحّاح
ثر من يطيجه طول هجره/ لي من نواك بصدّ مزّاح
خَلْ من نواك يبيد عثره/ يعتلّ قلب اللّي عَنِه شاح»

نستكشف هنا الملامح البارزة لذروة القصيدة وخلاصتها ومنتهاها، فهي موجهة بالأساس للمحبوب الذي طال هجره، ولم يعد محتملاً ما خلّفه من نأي وغياب «ثر من يطيجه طول هجره»، وكأن بالشاعر عند ذكره لعطش الطبيعة في مطلع القصيدة، يقارن وبشكل ذكي بين العطش الخارجي، وبين عطشه العاطفي الموغل بتأثيره السلبي في جوانحه ومداركه، وهذا الربط الموفّق بين حالة المكان وتبدلّاته، وبين حالة الذات وتغيّراتها، يعكس قوة البناء الشعري لدى ناصر العويس، واعتنائه بالإيقاع السمعي للأبيات واختيار الأوزان والقوافي الملبيّة لمطلب الشاعر ومقصده من النظم المتدرّج، بدءاً من الاستهلال المحفّز لفضول المتلقي، ووصولاً للخاتمة الزاخرة بالأوصاف الغزيرة والمعاني الأثيرة.
يحتلّ الجانب التوثيقي في قصائد ناصر العويس مكانة مميّزة ومهمة في مُجمل نتاجه الإبداعي، ما يدلّ على تفاعله اللحظي والمباشر مع الحدث الخارجي، ومع المكان المحتضن لهذا الحدث، الأمر الذي يمنح شعره صفة متفرّدة يغلب عليها المجاراة النّاصعة، والقبض على اللحظة الراهنة، والنقل المُجَسِّد لصورة الأمكنة بقيمتها المادية والمعنوية، وبتأثيرها على حوّاسه وانشغالاته الفكرية والوجدانية، ولعلنا نجد في قصيدته «سدّ الشويب» الكثير من هذه المناخات التسجيلية - إذا صحّ الوصف - والتي تستدعي شعرياً عدداً من المناطق المحبّبة لدى الشاعر، كي يصدّرها لنا في قالب إبداعي آسرٍ، ومتألقٍ دوماً في الذاكرة والوجدان، يقول العويس في القصيدة: 

من «الشويب» الزود خصّيت/ من عقب فيضه قصّ جدّام
قصّ «المدام» ولا دعا بيت/ شلّه وشلّ الشارع العام
بحْياد يا «المسنّد» أرْؤيت/ وطبعت من ذا الموج لي شام 
يرْيِك تبعته ما تعدّيت/ بطحا «الرفيعه» دربك الهام 
على «الزبير» بحثّ مرّيت/ والقار خليته شرا حام» 

يصف الشاعر هنا وبدقّة جريان الأمطار الغزيرة والفائضة عن قدرة «سدّ الشويب»، متتبّعاً خط سير الفيضان إلى مناطق متتالية مثل: المدام، والرفيعة والزبير وغيرها، وكأنه يلاحق الفيضان بصرياً ليرصد تبعاته على الشوارع والبيوت والسهوب، وليمزج بين المنظر المهيب، وبين إحساسه كشاعر متفاعل مع الحدث، وموثّق لمساراته ونتائجه المؤلمة في أماكن، والمبهجة في أماكن أخرى، اعتماداً على قوة تأثير السيول وعنفها في المناطق القريبة، وعلى ضعفها واضمحلالها في المناطق البعيدة.

قصائد الذات واليوميات
اطلع محبّو الشعر النبطي على قصائد ناصر بن سالم العويس وتفاعلوا معها بدايةً، عندما نشر الشاعر والأديب الراحل حمد بو شهاب نماذج من شعره في كتابه «تراثنا من الشعر الشعبي»، وفي العام 2017م أصدر الباحث والشاعر سلطان العميمي ديواناً مستقلاً للشاعر تناول فيه حياته وأشعاره، وقدم العميمي في الديوان دراسة حول مضامين وأساليب شعره، وما وثّقه في نتاجه الإبداعي من عناصر المكان والزمان والأحداث والتطوّرات التي مرّت بها المنطقة في القرن الماضي، وارتباط موضوعات قصائده بذاته ويومياته، صدر الديوان من أكاديمية الشعر بأبوظبي، وجاء في 267 صفحة من القطع المتوسط.

العزلة الإيجابية
ولد الشاعر ناصر بن سالم بن علي العويس الشامسي بقرية «الحيرة» في الشارقة عام 1914م وتوفي - رحمه الله - في العام 2008م، وكان من الشعراء البعيدين عن الأضواء، يكتب شعره ويدوّنه بصمت، ولا يعرضه إلا على المقرّبين من أهله وأصدقائه، وجاء نأيه وابتعاده عن الوهج الإعلامي كاختيار شخصي، معتبراً القصيدة غايةً متحقّقة في العزلة، لا وسيلة لحيازة الشهرة.
ويذكر الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي أن والد الشاعر ناصر بن سالم العويس، كان من روّاد شعراء الإمارات في الفترة الحديثة، حيث أبدع في القصائد العامية والفصحى معاً، ويعدّ من أوائل المثقفين المواطنين الذين أثروا الساحة الثقافية أيام الاستعمار البريطاني، وكان لإسهاماته الشعرية دور في شحذ الهمم ورفع معنويات المواطنين، وزيادة تعلّقهم بأوطانهم، وتطوّر وعيهم السياسي والاجتماعي. ويشير المزروعي إلى أهمية منطقة «الحيرة» في تكوين الشخصية الثقافية لشاعرنا ناصر العويس، فبالإضافة إلى تأثره بوالده، فإن «الحيرة» التي ولد بها كانت تزخر بالحراك المعرفي، وتزدحم فيها العقول المستنيرة والمواهب الشعرية والقامات الإبداعية، مضيفاً أن شاعرنا تعلّم في طفولته قراءة القرآن والكتابة والحساب، كما أنه نهل من مكتبة والده ما استطاع من المعارف، وخاصة في الآداب والشعر العربي الفصيح، مثل شعر المعلّقات، وشعر المتنبي، إضافة لاطلاعه على المجلات والإصدارات العربية في تلك الفترة. ويرد في السيرة الحياتية لناصر العويس أنه عمل بالتجارة والعمل الحرّ منذ صغره، لأنه كان ينفر من القيود الوظيفية، ويفضل أن يكون حرّاً طليقاً في حياته العملية، فعمل بداية مع والده بدبي نهاية العشرينيات الماضية، ثم استقلّ عن والده، ليعمل ويكسب من وراء شراء وبيع اللؤلؤ، حيث كان يشتريه من النواخذة والغاصة، فيتاجر ببعضه هنا في الإمارات، ثم يسافر بجزء منه إلى الهند لبيعه هناك، كما سافر شاعرنا إلى شرق أفريقيا في بداية الخمسينيات لاستيراد السيارات والأقمشة، ثم خاض تجربة ناجحة في بيع المواد الاستهلاكية في دبي وتصدير الأسماك المجفّفة وزعانف أسماك القرش إلى موانئ كولومبو في سيريلانكا، وإلى سنغافورا، وعندما أصيبت التجارة المحلية بالكساد بعد الحرب العالمية الثانية سافر الشاعر ناصر العويس إلى الدمّام بالمملكة العربية السعودية للعمل وكسب الرزق هناك، ثم رجع بعد سنة إلى الشارقة، لأنه لم يطق فراق الوطن والأهل، وله قصيدة مشهورة كتبها في الدمام وخصّ بها صديقه وشريكه في الغربة: «مبارك بن راشد الرفيسا»، يقول في مطلعها: 
«العيد في الدمّام متروك/ اللّي يعيّد فيه يندم
لو تعلم بحالي يا (مبروك)/ كان أهملتْ عينك من الهمّ»
وبعد عودته من الدمام اتخذ الشاعر ناصر العويس قراراً مصيرياً كان له أثر كبير في حياته، إذ عزم ترك العيش في الساحل، والتوجّه إلى البادية في المنطقة الوسطى من الدولة، وكأنّه أراد تجربة حياة البدو، فانتقل عام 1954م إلى مناطق «الفاية» و«البحايص»، ثم «الذيد»، حيث استصلح المزارع، وعمل في التجارة التي خدمت المسافرين المتوجهين من الشارقة ودبي إلى سلطنة عمان، وتحديداً إلى منطقة الباطنة التي ازدهرت فيها المقايضة والتجارة وبيع البضائع منذ الخمسينيات وحتى بداية السبعينيات، وفي الذيد تزوج شاعرنا واستقر وأنتج فيها جلّ قصائده وأجملها حتى رحيله.
ويصف الدكتور راشد المزروعي قصائد ناصر العويس بأنها مسبوكة بعناية فائقة، كما أن ثقافته الواسعة، وتعليمه، ومخالطته شعراء الحيرة الكبار، أثّر على شعره بطريقة إيجابية، وكان يميل في نظمه لقصائد «الرّدح»، وكانت معظمها قصائد غزلية، مضيفاً أن شعر ناصر العويس يعتبر شعراً تراثياً شعبياً واضحاً وسهلاً، وتتراوح قصائده بين الستة أبيات إلى 12 بيتاً، وهذا دليل على انتقائه أبيات قصيدته فلا يختار إلّا زبدة القول، والمختصر المفيد، دون شرح ومبالغة وإفاضة، أما شكاويه ومجارياته فكانت مع شعراء معروفين في زمنه أمثال: رحمة الشامسي، وسعيد بن خليفة الميرفي الكتبي، وعبدالله بن سليّم من أبوظبي، وله أيضاً بعض الشكاوى مع الشاعر المعروف علي بن شمسة السويدي.

مشاعر اللوعة والاشتياق
الباحث الدكتور عبدالعزيز المسلّم، فيشير إلى أن قصائد ناصر العويس تميّزت بتصوير مشاعر اللوعة والاشتياق، خصوصاً أثناء ترحاله الدائم للعمل والتجارة، فكانت قصائده ترجماناً لشوقه اللاهب إلى أرض طفولته، وإلى منطقة الذيد التي ارتبط بها روحياً وعضوياً، وصار لا يطيق البعد عنها، ويضيف المسلّم أن قصائده ترتبط دائماً بذكر الأمكنة والأسماء والأشخاص، وكأنه يدوّن مذكراته بنَفَسٍ شعريّ وفي إطار تعبيري جميل، وأن شعره أشبه بسلسلة من التوثيقات لمحطات حياته المختلفة وأسفاره المتعدّدة وخبراته المتراكمة.