فاطمة عطفة (أبوظبي)

عبد القادر الريس فنان تشكيلي من طليعة الرواد في حركة الفن الإماراتي الجميل بأصالته وتنوعه الحديث، يجعلك عالمه الفني المتميز تتأمل باستغراق كل لوحة من لوحاته وما فيها من ملامح تراثية تجمع بين البحر والنخل، وبين الفن المعماري العريق وجمال الحرف العربي بمرونة حركته البديعة الرفيعة. وعن جماليات بيئة الإمارات وتنوع مصادر الإلهام في ربوعها، تلتقي «الاتحاد» بالفنان الرائد عبد القادر الريس ليحدثنا عما استلهم من طبيعة الإمارات وتراثها العمراني، يقول: أحاول دائماً أن أعمل على التراث، سواء كان تراثاً معمارياً أو من الطبيعة، وأقدمه للمتلقي كما أشعر به وحسبما أتخيّله بأحاسيسي. ويتذكر الفنان أنه في إحدى المرات كان عنده معرض شخصي في براغ عاصمة التشيك، وبعد أن انتهى المعرض جاءت سائحة وطلبت لوحة فيها مركب شراعي، لأنه يظهر محبة لبيئة الإمارات، وهذا يعني أن العمل الفني قادر على أن ينقل إحساس الفنان الذي تجسد في اللوحة الفنية.

  • عبد القادر الريس

هوية المكان
وحول السمات التي تجعل اللوحة تعبر عن هوية المكان، هل هي تناسق الألوان أم الشكل، وما هو العنصر الأقوى حتى تظهر للمشاهد معبرة عن الفكرة أكثر، يوضح أن على الفنان أن يدرس الجانبين معاً بحيث يرسم الطبيعة بتفاصيلها، ثم يأتي استخدام اللون والدقة في مزجه، وتوزيعه مهم جداً، ولذلك يكتسي كلا الأمرين أهمية لضمان نجاح العمل الفني حتى يصل المعنى إلى المشاهد.
وعن أي عناصر البيئة استحوذ على اهتمام الفنان الريس: النخيل أم البحر والجبال والصحراء، وأيها أثر بمشاعره واستلهم منه رؤاه التشكيلية؟ يقول: كنت كل فترة أشتاق لجانب من جوانب البيئة، فترة رسمت الأبواب، وفي فترة ثانية استحوذ النخيل على أفكاري، ثم تحولت إلى الأشجار الأخرى سواء كانت شجرة الغاف أم السمر، مبيناً أن أكثر لوحاته يظهر فيها جذع النخلة أو الغافة والسمر، إضافة إلى التركيز على البناء المعماري التراثي الذي أخذ من اهتمامه الكثير، سواء في أبوظبي أو دبي أو الشارقة والعين.

كنوز الذاكرة
أما عن الاهتمام برسم الأبواب القديمة، وما هي رمزيتها بالنسبة للفنان الريس، فيقول إنها تعتبر جزءاً من كنوز الذاكرة التي خلفها لنا الآباء، سواء بطريقة شكلها، وارتفاعها واتساعها، أو بالزخارف الموجودة على الخشب، ويلفت هنا إلى النظرة الجانبية لهذه الأبواب وما تظهره من إبداع الحرفيين الذين اشتغلوها في ذلك الوقت الذي لم تتوفر فيه المعدات الحديثة الموجودة حالياً، منوهاً إلى أن الفنان يحاول أن يظهر هذا الجمال في صناعة الأبواب بجميع التفاصيل والدلالات والرمزية التي توحي بها.
وفي ظروف الجائحة، وكيف واجه الفنان العزلة، يقول: بالنسبة للعمل، نحن الفنانين أغلب أعمالنا تكون عادة داخل البيت أو في المرسم، وأعتقد أن البقاء في البيت ذو تأثير إيجابي على الفنان، بحيث لا يدع للكسل مكاناً بل يستغل الفرصة ويشتغل خلال هذه الظروف.
وحول جديد الفنان أشار إلى أنه حالياً بصدد إنجاز أعمال فنية تخص مناسبة مرور خمسين عاماً على مسيرة الإمارات، وهذا يضم أكثر من عمل ويحتاج إلى جهد وتركيز كبيرين، وهو يرجو أن يعبر عن أهمية هذه المناسبة الوطنية الكبيرة.

الأبناء وموهبة الفن
وعن أبناء الفنان ومن اقتبس منه موهبة الفن، أشار إلى الفنانة سمية، والفنان مصعب الذي يتميز بجمال الألوان الزيتية، بينما سمية تتميز بالألوان المائية، كما أن أحفاده أيضاً لديهم هواية الرسم، وهو يتوقع أن يظهر منهم فنانون. وعن رؤيته لأعمال أبنائه يقول: عند العمل يجب ألا تدخل المجاملة، بل لا بد من التنبيه للأخطاء إن وُجدت، وخاصة أن بداية الفنان تكون عادة بحاجه إلى توجيه، والتنبيه إلى الأخطاء ضروري ومفيد، موضحاً أن أولاده ينظرون إليه وكيف يعمل، وهذا يعتبر بالنسبة لهم بمثابة دورات إيجابية، وهم يتقبلون الملاحظات، ويؤكد أن المرحلة العمرية وما فيها من تطور تنمّي مخيلة الفنان بحيث تصبح له لمسته الخاصة في أعماله الفنية لأن لكل فنان بصمة تميز أعماله، والأدوات الحديثة اليوم تعطي المزيد من الخيال للفنان.
وحول تشكيل الحروف وجماليتها في أعمال الريس قال: الحروف تأتي في لوحات التجريد، وبعد اكتمال العمل أرى أن بعضها يناسب الحروف من اللغة العربية، لأني أرى في الحرف العربي جمالية غير عادية، سواء كان حرف الواو أو الحاء أو العين، وهذا يضيف جمالية كبيرة ويأتي بعد أن تكون اللوحة منتهية تقريباً، فأجد مكاناً للحرف يضفي عليها المزيد من الاكتمال والجمال.