محمود إسماعيل بدر (عمان)

تحت مظلة 2021 عام الروائي الروسي فيودور ميخيلوفتش دوستويفسكي، الذي اعتمدته «اليونسكو» مطلع العام الجاري، احتفالاً بالذكرى المئوية الثانية لميلاده، أصدرت «منشورات ذات السلاسل» ترجمة عربية جديدة أنيقة لروايته «الشّياطين»، التي تعرف لدى البعض باسم «الممسوسون» و«الأبالسة»، بتوقيع الكاتب والمترجم محمد الأسعد، الذي قدم لها عبر تحليل نقدي لخصوصية أدبه بشكل عام، وهذه الرواية التي تم نشرها للمرة الأولى ما بين عامي 1871 و1872، شكل خاص، وكبقية رواياته «الجريمة والعقاب، الأبله، الأخوة كاراما زوف، الزّوج الأبدي» تمتاز بواقعية مبتكرة، لبنائها الكلاسيكي المتكئ على مبدأ التأليف السيمفوني، المعروف بحسب الفيلسوف واللغوي ميخائيل باختين، باسم «تعدد الأصوات» الحوارية للشخصيات التي تعمل كما الآلات الموسيقية باستقلال وتناغم في وقت واحد معاً.

وتعد «الشياطين» إحدى أشهر أعمال دوستويفسكي بعد عودته من المنفى السيبيري، وتتسم بنفس اجتماعي وسياسي ساخر، ويعكس موضوعها العواقب الكارثية المحتملة للعدمية السياسية والأخلاقية التي كانت سائدة في روسيا في ستينيات القرن الـ19. أمّا الشياطين الستة أبطال الرواية فهم أولئك الذين يتصارعون على روسيا وليس من أجلها، عاكساً لنا في الوقت ذاته واقعاً وصورة مؤسية عن المجتمع الروسي في تلك الأيام، وتشكّل المناقشات حول القضايا الأدبية والدّين والإيمان والخير والشّر والأرستقراطية والديموقراطية وحرية التفكير، الخلفية التي بنى عليها دوستويفسكي نماذج شخصياته، المرسومة بعناية.ويبدو أن الاهتمام بنتاجات هذا العبقري المتمرد الذي يعد واحداً من أيقونات الأدب الخالدة، لا يخبو، ليس بسبب ترجمة هذه الرواية فحسب، وإنما للصدى العالمي الطيب الذي تلقاه أعماله من قبل النقاد والجمهور والمؤسسات الثقافية ذات الصلة، فما زال الحنين إلى أعماله الكلاسيكية الكبيرة لا يذوي بعد أن جعل عدد غير قليل من نقاد الأدب الأوروبيين منذ أمد بعيد رواية «الشياطين» في صفّ واحد مع رواية الأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس «دون كيخوته»، وكلاسيكيات الإنجليزي ويليام شيكسبير المسرحية، باعتبارها علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي، لجدلية موضوعها الشائك وتقنيتها، وصورها الفنية الوصفية الجديدة.