إميل أمين
أطلق فيلم «الخطيئة» الروسي، أحدث الأعمال الفنية التي تتناول حياة أحد أهم فناني عصر النهضة الأوروبية في القرون الوسطى، مايكل أنجلو، نقاشاً جديداً حول هذا المبدع الكبير، الذي لا تزال الأسئلة العميقة تدور من حوله، وهو الرجل الذي تنافست من أجل ولائه كبريات العائلات الإيطالية، ورعاه البابا الروماني الكاثوليكي يوليوس الثاني (1443 - 1513).
غير أن ثمة علامتي استفهام رئيسيتين لا تزالان تدوران حول مايكل أنجلو، الأولى لماذا أحرق لوحات رسوماته الأولى، رغم مناشدات تلاميذه ومريديه بأن لا يفعل، وقد كان كبار أثرياء عصره، يتطلعون لشرائها بأي ثمن.
والثانية، هل خبأ أنجلو سراً ما في «لوحة الخلق»، التي زين بها سقف كنيسة السيستين في قلب حاضرة الفاتيكان، تلك اللوحة التي تعتبر «الماستر بيس» أو العمل الرئيس من بين أعماله.
بين هذه وتلك يبقى تساؤل جوهري عن الفنان الإيطالي الشهير، هو: «هل كان مجرد نحات ورسام عبقري، أم أنه كان صوفياً، بما ظهر في بعض أشعاره، التي لا يعرفها كثيرون؟
في قرية كابريزي قرب مدينة أريتسو بإقليم توسكانا ولد مايكل أنجلو، في مارس 1475م، غير أن مقادير الحياة، جعلته ينمو ويترعرع في فلورنسا، مركز النهضة الأوروبية آنذاك، ومن محيطها المليء بمنجزات فناني النهضة السابقين إلى تحف الإغريق المذهلة، استطاع أنجلو أن يتعلم ويستقي منها الكثير عن فن النحت والرسم. وقد وضعت الأقدار في طريق أنجلو، نخبة من إنتلجنسيا عصره وزمانه، طائفة من المثقفين الأثرياء، الذين يقدرون موقع وموضع وأهمية الفنون في تاريخ الحضارة الإنسانية، والذين أضحوا لاحقاً رعاته، فيما تمثل الحظ الأكبر الذي ابتسم له في رعاية باباوات روما لمسيرته العبقرية، بدءاً من البابا يوليوس الثاني، مرورا بكليمنت السابع، وصولاً إلى بولس الثالث.
-
من أعمال مايكل أنجلو
الأفلاطونية الجديدة
عُرف أنجلو بحدسه وذكائه أن البابوات بنوع خاص هم الوحيدون القادرون على جعل أعماله حقيقية، بل أكثر من ذلك أن يكتب لها الخلود عبر الزمن.
ولم تكن مسيرة أنجلو بحثاً عن فن اعتيادي أو نحت تقليدي، ذلك أنه درج على البحث عن التحدي، سواء كان هذا التحدي جسدياً أو عقلياً، فجسد ذلك بلوحات أو رسومات جدارية فنية.
على أن أنجلو قبل أن يكون فناناً نحاتاً ورساماً، كان أيضاً مفكراً له رؤية فلسفية وعقلية ربما تميزه عن بقية نظرائه من أبناء عصره، فقد انخرط ضمن مجموعة نخبة ثقافية كان يرعاها حاكم فلورنسا وراعي الفنون الكبير، لورينزو دي ميديتشي، سليل آل ميديتشي، الأسرة التي سيطرت على فلورنسا طوال فترة قرن ونصف قرن 1390-1540م.
وعلى الأغلب فقد اعتنق أنجلو فكر «النيوبلاتونيسم»، أو الأفلاطونية الجديدة، وهو نظام فلسفي يجمع ما بين الأفكار الأفلاطونية، والمسيحية واليهودية، ويدور حول فلسفة ترى أن الجسد هو مخزن الروح.
لم يخلف أنجلو وراءه سوى عدد قليل جداً من مخطوطات رسوماته وأعماله الفنية، ذلك لأنه أحرق غالبية لوحات رسوماته التحضيرية التي أنتجت أبرز أعماله الفنية، عبر موقدين بناهما أيام تدهور صحته في نهايات أيامه.
وللمفارقة لم يكن أنجلو سعيداً بأن تخرج رسوماته إلى العالم، وقد وجه اللوم لوالده لأنه عرض بعض رسوماته على الغرباء، وهو ما بينه بوضوح الكاتب مايكل هيرست في مؤلفه المعنون «مايكل أنجلو بلوغ الشهرة»، الذي أشار فيه إلى ذعره الشديد من إطلاع الناس على إبداعاته دون تصريح.والسؤال: هل فقد العالم كنوزاً فنية عالية القدر ولا تقدر بثمن من جراء إحراق أنجلو تلك اللوحات التي بدأ فقدانها منذ عام 1518؟
-
لوحة أخري من أعماله
هالة الكمال
هناك اعتقاد كبير بأن معظم تلك اللوحات يتعلق بأعماله في «كنيسة السيستين»، ويرجع البحث المعمق عن تلك الإشكالية إلى الكاتبة الأميركية «أليسون ماكنيرني»، التي أفردت حديثاً واسعاً عبر موقع «ذا دايلي بيست»، تحلل فيه وجهة نظر أكثر من خبير عن ذلك العمل المثير للعجب. والشاهد أن هناك أكثر من تفسير، الأول يذهب إلى أن أنجلو كان يدرك أن هناك الكثير من منافسيه، ومن المواهب الشابة التي تزخر بها بلاده في ذلك الوقت، وعلى هذا الأساس، فربما إذا وقعت تلك اللوحات في أيديهم، فقد يقدّر لهم فك رموز أسلوبه المبتكر، أو كشف أسرار عبقريته، وساعتها يضحي من اليسير تقليده أو محاكاته.
والتفسير الثاني مصدره، جورجو فازاري، الرسام الإيطالي المعروف بكتاباته الشهيرة لسيَر فناني عصر النهضة، وقد أرّخ لسيرة أنجلو وهو لا يزال حياً. ويرى فازاري أن أنجلو رغب في الاحتفاظ بهالة الكمال التي تحيط به، ولذا أراد إخفاء تفاصيل العمل المضني الذي بذله لإبداع كل رائعة من روائعه الفنية، ما يعني أنه كان يحاول باختصار أن يحكم سيطرته على سيرته كنحات عظيم، ومن غير أن يدري أحد كيف بلغ تلك المرتبة الفنية، وخوفاً من الظهور بمظهر أقل من مثالي. وفي سيرة أنجلو تقابلنا خاصة علامة الاستفهام الخاصة بلوحته الشهيرة، «لوحة الخلق»، التي تزين سقف كنيسة السيستين، الكنيسة التي تجري فيها على الدوام عملية انتخاب البابا الروماني الكاثوليكي الجديد.
على أنه قبل الحديث عن سرها، ينبغي الإشارة إلى أن أنجلو، الذي قام بعمل رسومات فنية في بعض الأديرة الإيطالية، كان قد اكتسب خبرة في عملية تشريح أجساد بعض الموتى، ومن هنا بدت اللوحة المذهلة وكأنها «صورة تشريحية دقيقة للدماغ البشري».
والحال أن الفحص الدقيق للوحة يوضح التلافيف الداخلية والخارجية لسطح الدماغ، وجذع الدماغ، بالإضافة إلى الغدة النخامية وتصالب العصبين البصريين.
-
مايكل أنجلو
الإدراك والفهم
طوال أربع سنوات مستلقياً على ظهره، من 1508 وحتى 1512 بدا وكأن أنجلو قد نسي الكون من حوله لينفذ ما هو أبعد بكثير جداً من مجرد لوحة ولو كانت إبداعية.
ويوضح بروفيسور الطب التشريحي «فرانك ليين ميشيبرجير»، أن المشاهد للوحة لا يستطيع أن يتخيل انتقال شرارة الحياة عبر هذا الفراغ الضئيل بين رؤوس الأصابع.
والنقطة الرئيسة عند أنجلو في «لوحة الخلق»، هي أن الله تعالى يهب الإدراك والفهم، أي العقل الثمين، ومن هنا يستطيع الإنسان دون سائر المخلوقات، أن يسعى إلى الأنفع والأرفع، وأن يحقق ما يصبو إليه.
هل كان أنجلو شاعراً صوفياً متديناً؟
في الشعر الذي كتبه قبل رحيله، تبدو نفس أنجلو الصوفية، بادية في بعض أشعاره ومنها ما نصه: «الآن بلغت حياتي التي اخترتها بحراً/ كأنها الزورق الهش بلا حول ولا قوة/ حياتي بلغت المرفأ الواسع الذي يؤمر الناس جميعاً بالدخول فيه لتلقي الجزاء/ اليوم يحاسب كل البشر على ما قدمت أيديهم وللخيرين أوفى جزاء».
كان أنجلو شخصاً متواضعاً غير مسرف في حياته الشخصية، وقد قال ذات مرة لتلميذه «أسكانيوكونديفي»،: «مهما بلغ ثرائي من حد، فإني لطالما عشت، وسأعيش كالفقير».
هل يمكن أن يطرأ جديد على سيرة أنجلو؟
الشاهد أن آخر مخطوطة خاصة به تتعلق بقبة كاتدارئية القديس بطرس، المرسومة بالطبشور، وقد اكتشفت في أرشيف الفاتيكان في ديسمبر 2007، ما يعني أنه من الوارد أن نعرف في وقت لاحق المزيد عن أسرار مايكل أنجلو الخفية.