بقلم ميشال كولّو
ترجمة: أحمد حميدة
الشاعر الفرنسي بيير ريفردي (1889- 1960) واحد من أولئك الشّعراء الذين جمعوا بصورة ثابتة بين الشّعر والانفعال، وذلك حدّ الإقرار بتماثلهما، كما يومئ إلى ذلك عنوان أحد نصوصه النّظريّة الشّهيرة: «ذلك الانفعال الذي ندعوه شعراً». ولكنّه، وبكلّ دقّة، أبدى إصراراً ثابتاً على التّمييز بين ذلك «الانفعال الذي نسمّيه شعراً»، والانفعال الذي يشعر به عامّة النّاس، فالشّعر لا يقتصر في نظره على ترجمة ذلك النّوع من الانفعالات، بل يسعى إلى تحويلها إلى «انفعالات جديدة.. خلاّقة، شعريّة في جوهرها»، ولا تكون أبعادها نفسيّة، بل جماليّة. يقول ريفردي: «إن أثار فينا العمل الشّعريّ انفعالاً ما، فهو انفعال جماليّ بالأساس، أي أنّه ليس من تلك الانفعالات التي تنتابنا إزاء حادث خطير قد يصادفنا، ونحن نسير في الطّريق».
فالانفعال الشّعريّ يتعارض حينئذ مع كلّ إحساس عاديّ بائس وقمين بالازدراء. ومع ذلك يبدو أنّ شعر ريفردي لم يكن يخلو من مثل تلك الحوادث التي تصادفنا على الطّريق أو في خضمّ الحياة اليوميّة، ولا من المشاعر القاسية التي تخلّفها فينا. وتشهد على ذلك هذه الأبيات التي تختم قصيد «أردواز السّقف»:
ينتابنا الخوف، فنغلق الباب
كان ذلك الانفعال شديداً
وذلك الوميض الذي يهتز وينخفض
قد نستشعر فيه نهداً ينبض.
سأتساءل هنا عن ذلك التّضارب الظّاهر بين الجانبين النّظري والتّطبيقي في فكر ريفردي، معتمداً على تصوّره للغنائيّة في الشّعر، لأقترح في ذات الوقت إعادة تعريف للانفعال الشّعريّ، يأخذ بعين الاعتبار طبيعته المختلفة وارتهانه للتجربة العاطفيّة.
عاطفة محضة
منذ رسالته الأولى عن «العاطفة» التي تعود إلى سنة 1917، وحتّى الحوار الإذاعي الذي منح عنوان «مخابرتي»، ويعود إلى سنة 1950، يبدو أنّ ريفردي كان منشغلاً أساساً بتحديد موقف واضح من الرّومنطيقيّة التي جعلت من الشّعر ترجمة لأحاسيس ذاتيّة وطبيعويّة مثيرة للعواطف إزاء مشهد الحياة الاجتماعيّة.
والحال، أنّ من مقوّمات الحداثة الأدبيّة والفنيّة، التي كان ريفردي من منظّريها اللاّمعين الأوائل، إعطاء أهميّة أقلّ للمواضيع المطروقة، قياساً إلى وسائل وأدوات التّعبير عنها. فغاية الأديب أو الفنّان الحديث -يقول ريفردي- هي: «أن يبدع بإمكانيّاته الذّاتيّة عملاً جماليّاً، يولّد عاطفة خاصّة ليس بوسع الطّبيعة أن تثيرها في الإنسان».
وبالفعل، لو كانت مشاهد الطّبيعة قادرة على منحنا مثل ذلك الانفعال، لما احتجنا إلى ارتياد المتاحف أو الذّهاب إلى الحفلات الموسيقيّة، أو إلى المسرح، ولا إلى قراءة الكتب! سنمكث حيث نحن، وكما نحن في الحياة وفي الطّبيعة. فما قد نلتمسه في المتحف أو الحفل الموسيقيّ أو الكتاب، هو انفعال لا يمكن أن نجده إلاّ هناك، لا في تلك الانفعالات التي لا حصر لها، الانفعالات المبهجة أو المؤلمة التي تأتي بها الحياة، إنّه انفعال لا تمنحنا إيّاه غير الأعمال الفنيّة.
«مشاعر» الشاعر
ثمّ إنّ الشّعر أكثر من أيّ جنس أدبيّ آخر، بحاجة إلى «التخلّص» من المشاعر المرتبطة بالأحداث المكرّرة، الأحداث المألوفة أو المدهشة والاستثنائيّة، التي تستمدّ منها الرّواية مثلاً عوامل تأثيرها. فـ«مشاعر» الشّاعر ذاتها ليست سوى مجرّد «مكوّن» من بين المكوّنات الأخرى للإبداع الشّعري، التي تحتاج إلى البلورة، وإلى إحكام فنيّ يحدّد أسلوب صياغتها ويغيّرها في العمق، لأنّه بهذا الثّمن وحده يغدو بالإمكان تحفيز الانفعال، فلا نقتصر على ترجمته والإفصاح عنه فحسب.
كما أنّ من الخطأ أن تتعلّق همّتنا بجعل الانفعال الذي ينبثق منه العمل الشّعري مماثلاً لذاك الذي سيولّده بدوره العمل الشّعريّ ذاته، لأنّ العمليّة الأولى تكون استهلالاً، فيما تكون الثّانية خلاصة (...).
إنّ الفنّان ليستخدم كمكوّن خالص، آثار الانفعال الذي ينشأ بداخله هو، فيما يتمثّل الفنّ بالنّسبة لغيره من النّاس في تفسير الانفعال المستشعَر ومقاسمته مع الآخرين (...).
إنّ الانفعال الذي يكون شعريّاً حقيقة، يفترض، بالمعنى الاشتقاقي لكلمة «بويزيس» إبداعاً أصيلاً، ينخلع من دائرة الأحاسيس المستشعَرة بطريقة سلبيّة، الأحاسيس النّابعة من المعرفة والخبرة، ليرتقي إلى مستوى التّعبير الواعي والفعلي.
والشّعر.. لا يكمن في ذلك الانفعال الذي يعتصرنا في ظروف محدّدة، لأنّه ليس عاطفة، بل هو على النّقيض من العاطفة، فعل بشريّ قد نلمسه في التعبير عن شعور خاصّ تثيره العاطفة متى تثبّتت تلك العاطفة فيما ندعوه القصيد، وبشكل خاصّ في الانفعال الذي يثيره ذلك القصيد بدوره (...). إنّه مكوّن آخر، مرتبط ولاشكّ بظروف قد يتأثّر فيها الشّاعر بالطّبيعة، ولكنّه متى تشكّل بفعل الوسائل المتاحة للشّاعر فحسب، يغدو محمّلاً بنفحات شعريّة، ليتّخذ له المكان الذي يستحقّ في الواقع.
إنّ الانفعالات التي نشعر بها في حياتنا اليوميّة ليست سوى مادّة أوليّة، يكون الشّاعر مدعوّاً إلى إعادة صهرها لإحداث تأثير جديد، ويرى ريفردي أنّنا «لا نعرب عن انفعال ما، إلاّ متى جعلناه يتغيّر»، ويضيف موضّحاً: «ينبغي أن نحترس من التّعبير الفوري عن عاطفة ما أو عن شعور يكون قد تملّكنا، إذ إنّنا بحاجة إلى أن نلقي بكلّ تلك الخردة في النّار فنجعلها تنصهر، ويوم تنتابنا رغبة الإفصاح عنها، أن نستخلص منها معدناً جديداً يصعب التعرّف عليه...».
خيميائيّة الشاعر
يقول ريفردي: «يشبه ذلك التّغيير للمادّة العاطفيّة عمليّة تحويل خيميائيّ، لأنّ الشّاعر فرن لصهر الواقع، ومن كلّ المشاعر الخام التي يتلقّاها ويستوعبها، يستخرج أحياناً من الماء ماسة ساطعة الجمال، أي حياة مضغوطة ومكثّفة في بعض الصّور وبعض الجمل».
وهكذا معترضاً على كلّ إهدار عاطفي، يؤكّد ريفردي على أهميّة التكثيف التي تفترضها العمليّة الشّعريّة: إنّ سطوة الغنائيّة لا يمكن لها اليوم التخلّي عن عمليّة التّكثيف تلك. والأمر لا يتعلّق بتسخير انفعال أوّليّ وتخفيضه، وإنّما على العكس من ذلك، أن نتوصّل في العمل الشّعريّ إلى كتلة من الانفعالات المتولّدة بصورة مباشرة، انفعالات تكون منسلّة من الأعماق السريّة للشّاعر، وتهب لفكر القارئ تلك الفعاليّة المركّزة، التي بإمكانها أن تحدث فيه انفعالاً شديداً ومخصباً لمشاعره الجماليّة.
فلدى ريفردي تصوّر ديناميّ وديالكتيكيّ للانفعال، تصوّر يرتبط من حيث الاشتقاق اللّغويّ لمفردة الانفعال.. بالحركة، فهو الذي يمنح الشّاعر الحافز الحقيقي لما يسعى إلى إبداعه، ولكن ينبغي لذلك الانفعال أن يتوارى، كيما ينبعث في العمل الفنّي بعد أن يكون قد تغيّر: «لا تقدّر القيمة الشّعريّة لانفعال ما في بدايته، وإنّما حين وروده، أي حين انخراطه في العمل الشّعريّ، بعد أن يكون الانفعال الأصليّ قد تلاشى».
متعة روحيّة وتنقية جمالية
في الشعر لا يتعلق الأمر بعمليّة تلاشٍ للانفعال، وإنّما بعمليّة تطهير وتنقية، وفي هذا الصّدد يقول ريفردي: «بقدر ما يبتعد العمل الفنيّ عن الانفعال الأصليّ، بقدر ما يغدو مختلفاً، ويدرك تلك العاطفة المنفلتة التي معها يشعّ الواقع المعتّم والمرير، فيغدو بارقاً ومطهّراً». كما يرى أنّ ذلك التطهّر، الذي هو حالة من «التّسامي»، يتماهى في الحقيقة مع الشّعر ذاته، الشّعر الذي له القدرة على تغيير وجهة الانفعال الذي ساهم في إحداثه، ليستمدّ من المعاناة الأكثر إيلاماً متعة جماليّة.
ثمّ إنّ ذلك الانفعال الخام المدرك بصورة مبهمة، عند انتقاله إلى المستوى الجمالي لا يفقد شيئاً من قيمته الإنسانيّة، بل إنّه يتسامى، متخفّفاً من ثقله الأرضيّ والجسديّ، ثمّ يتطهّر فينعتق، على نحو يجعل الأوجاع التي تنتهب قلب الشّاعر تتحوّل إلى متعة روحيّة بالغة تـنـدّ عن كلّ وصف، وهذا هو ما قــد نسمّيـه شعـراً.