إيهاب الملاح
منذ أن أعلنت إدارة معرض أبوظبي الدولي للكتاب عن اختيار طه حسين شخصية المعرض الثقافية لدورة هذا العام، وأنا أتساءل عن مغزى هذا الاختيار وقيمته وأهميته في اللحظة الراهنة؛ ودلالة الالتفات الرفيع والرصين إلى استدعاء الشخصية النهضوية التنويرية الأولى في الثقافة العربية الحديثة في هذه المرحلة التي تعج بالتحديات الضخمة والمسؤوليات الجسام والاختيارات الفارقة في مصير ومستقبل شعوب هذه المنطقة من العالم.
لقد حاول طه حسين في الجامعة، وبالجامعة، أن يسهم في بناء مصر الحديثة ضمن محيطها العربي؛ ولذلك كان لابد أن يصطدم ببعض المؤسسات والقوى الماضوية، غير التنويرية. وكان جَسوراً في سجالاته، شجاعاً في التعبير عن آرائه وأفكاره التي ما زال الكثير منها حياً ضمن الأساس الفكري للطليعة الثقافية العربية اليوم، وأنا هنا أستخدم الصفة «العربية»؛ لأن طه حسين لم يكن ملكاً للثقافة المصرية وحدها، وإنما كان، ولا يزال، ملكاً للثقافة العربية بأسرها؛ فتأثيره، مثل كتبه وتلامذته، تجاوز الحدود الضيقة لمصر إلى الحدود الواسعة للعالم العربي الذي تفاوت في درجة الحماسة لاستقبال أفكار طه حسين ومبادئه.
وبنظرة سريعة على تأثيرات طه حسين الأكاديمية والفكرية والمنهجية في العالم العربي كله من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، قد نرى اسماً أو أكثر قد تتلمذ عليه بشكل مباشر وتأثر به وواصل رسالته وأسس حركة نقدية أو فكرية أو ثقافية في محيطه الإقليمي والمحلي، على سبيل المثال: الدكتور إحسان عباس والدكتور ناصر الدين الأسد في الأردن وفلسطين.. وسامي الكيالي والدكتور إبراهيم السعافين في سوريا.. وفي المغرب عبدالهادي التازي.. وهذه مجرد أمثلة.
-
طه حسين وزيراً عام 1950
تأسيس معرفي أصيل
لقد كان طه حسين من بين أبناء جيله ونخبته الثقافية الليبرالية التي ينتمي إليها، من أهم من أدركوا الترابط الصميم الوثيق بين «التعليم» و«الثقافة»، وأدار على ذلك فصول كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي تتبدى قضيته الرئيسية في أن سعي مصر (والعالم العربي) إلى دخول العصر الحديث، على نحو فعَّال، يستلزم منها أن تمتلك الوسيلة المؤدية لذلك، وهي النظام التعليمي الحديث.
ذلك النظام الذي يقوم منذ الصغر على التأسيس المعرفي العميق والأصيل للطلاب في المدارس التأسيسية (أو ما قبل الجامعية) تمهيداً لإلحاقهم بالتعليم الجامعي؛ و«الجامعة» هنا في مفهوم طه حسين ليست فقط مكاناً للتعلم، بل هي حاضنة ثقافية شاملة، فلم تكن الجامعة منفصلة أبداً عن منظومة التعليم في وعي طه حسين، خصوصاً في مدى المنظور الذي لا يفصل بين الجامعة والمجتمع، ولا يفصل بين حضور الجامعة وحضور الثقافة المتقدمة للدولة المدنية.
-
يصافح عبد الناصر في عيد العلم
يقول طه حسين:
«تعودنا أن ننظر إلى الجامعة وإلى معاهد العلم عامة على أنها مدارس يُتلقى فيها العلم، وقد آن لنا أن نعتقد بل أن نستـيْـقن أن معاهد العلم ليست مدارس فحسب، ولكنها -قبل كل شيء، وبعد كل شيء- بيئات للثقافة بأوسع معانيها، إن الجامعة بيئة لا يتكون فيها العالِم وحده، وإنما يتكون فيها الرجل المثقف المتحضر الذي لا يكفيه أن يكون مثقفاً بل يعنيه أن يكون مصدراً للثقافة، ولا يكفيه أن يكون متحضراً، بل يعنيه أن يكون منميّاً للحضارة.
فإذا قصّرت الجامعة في تحقيق خصلة من هاتين الخصلتين فليست خليقةً بأن تكون جامعةً، وإنما هي مدرسة متواضعة من المدارس المتواضعة وما أكثرها، وليست خليقة بأن تكون مشرق النور للوطن الذي تقوم فيه والإنسانية التي تعملُ لها، وإنما هي مصنع من المصانع يُعِدُّ للإنسانية طائفةً من العلماء ومن رجال العلم، محدودةٌ آمالُهم، محدودةٌ قدراتُهم على الخير والإصلاح».
-
محمد الخامس ملك المغرب يقلّد طه حسين أعلى أوسمة المغرب
مشروعه الثقافي
لقد استطاع طه حسين أن يمسك بمفاصل الثقافة العربية، منذ العصر الجاهلي وحتى القرن الثاني عشر الهجري، في أعلامه وكتبه ونصوصه الكبرى، من «الشعر الجاهلي» وأدبه إلى «حديث الشعر والنثر»، إلى «حديث الأربعاء»، وصولاً إلى «ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية»، فضلاً على تناولاته التحليلية المعتبرة لكل من المتنبي وأبي العلاء، وابن المقفع والجاحظ والتوحيدي، فقد قدم بحق، كما وصفه المرحوم عبدالمنعم تليمة، للثقافة المصرية والعربية ما يمكن تسميته بـ«بيان شامل للنهضة والتحديث»، ربما كان الأهم والأكثر إحداثاً للجدل والنقاش في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، بل حتى وقتنا هذا.
وبقدر ما كان مشروع طه حسين الثقافي، يقوم في جوهره على الاحتفاء بالعقل والعلم وقيم التنوير والحداثة والنهضة، بقدر ما كان يمثل أيضاً في الوقت ذاته احتفاء بالاختلاف والتنوع والتعددية والتسامح.. وبالجملة ذروة ما وصلت إليه الإنسانية من إدراك لقيمة «الإنسان» ومحوريته، باعتباره أرقى المخلوقات العاقلة والمفكرة والمنتجة للحضارة على سطح هذا الكوكب.
والحال أن معظم الشخصيات الإبداعية والثقافية الكبرى، في تراثنا الفكري والأدبي، كتب عنها طه حسين كتابةً مرجعية تأسيسية، دراسة أو أكثر، ما زالت تحتفظ بقيمتها وأهميتها حتى اللحظة (مع الاعتراف بأن جهوداً أخرى قد تجاوزت بعض ما فيها من نتائج أو آراء)..
وفي الشعر خاصة، كتب عن شعراء الجاهلية، وشعراء الغزل العذري، وشعراء المجون والهزل.. كتب عن المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي العلاء، وراجع كتبه الأصيلة «مع المتنبي»، و«تجديد ذكرى أبي العلاء» و«مع أبي العلاء في سجنه»، و«تعريف القدماء بأبي العلاء»، و«صوت أبي العلاء»..
وكتب عن ابن المقفع، والجاحظ، والتوحيدي، وابن العميد، وابن خلدون.. وقارن بين أبي العلاء وكافكا، وبين ابن حزم، الفقيه الظاهري الأصولي، وبين ستندال الفرنسي، قارن بين كتابيهما «طوق الحمامة» و«الأحمر والأسود»، وعرّف بأعلام الأدب الأميركي، والفرنسي، والألماني، حتى وقته.
كما كتب أيضاً عن ابن مضاء القرطبي، وكتابه «الرد على النحاة»، وقدّم رؤية تجديدية رائعة لعلم النحو العربي، وكتب مقدمة رائعة كذلك لكتابِ زميله إبراهيم مصطفى «إحياء النحو»، صاحب أول محاولة لتيسير النحو العربي وطرق تدريسه، وقدم أيضاً في هذه الدائرة واحدة من دراساته المثيرة للجدل والنقاش عن «استخدام الضمير في القرآن الكريم»، وكتب دراسته التأسيسية الملهمة (تاريخ البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) التي تعد بحق أوفى تلخيص وتكثيف لمسيرة البلاغة العربية، والنقد العربي القديم.
-
طه حسين مع ابنته أمينة
وغطَّى طه حسين أيضاً، ولأول مرة في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، دراسةَ الأدب العربي في عصوره المتعاقبة، منذ الجاهلية، وأبرز أعلامه شعراً ونثراً في القرون الخمسة الأولى للهجرة، وراجع مصداق ما أقول في كتبه ذائعة الصيت، «في الأدب الجاهلي»، و«من حديث الشعر والنثر»، و«حديث الأربعاء» (الجزءان الأول والثاني)، و«من أدبنا القديم».. إلخ.
ولن أُشير هنا رى كل أعماله الرائدة في الرواية، والقصة، والسيرة الذاتية؛ والنصوص الأدبية الخالصة، فهي أشهر من أن يُشار إليها، ولكنها لا تمثل في نظري، على قيمتها وأهميتها وجمالها، سوى شريحة محدودة للغاية من أثر طه حسين الأكبر والأوسع دائرة في الفكر العربي، والتربية والتعليم، والاجتماع، والنقد الأدبي والفكري بمعناه الشامل، والدراسات التاريخية التحليلية، والترجمة، وتحقيق التراث وتيسيره وتقريبه، والتنمية الثقافية واللغوية الشاملة، ونظراته التجديدية في كل المجالات السابقة.. هذا فضلاً عن تخريج أجيال من التلاميذ الذين صاروا بدورهم أساتذة وأعلاماً وأسماء كبيرة في الثقافة المصرية والعربية.
الكاتب والمفكر
كان طه حسين يؤمن بأن الكتابة هي العمل، وأن «كلّ كاتب وكلّ فنان لا يستطيع التقدم إلا بالإخلاص، شأنه شأن بطل دانتي يحمل المصباح معلقاً إلى ظهره ليضيء طريق الذين يتبعونه».. وكما يقول بصدق الناقد الدكتور حسين حمودة:
«في كل ما كتب، وما أدّى، وما قام به من أدوار متعددة، دافع طه حسين عن قيمٍ واحدة.. نقرأ كتاباته المتنوعة، التي خاضت مجالات شتى، من النقد الأدبي إلى التاريخ، ومن السرديات والمرويات إلى المقالات الصحفية، ومن الشعر إلى الترجمة، ومن السياسة إلى الاجتماع، فنجد القيم نفسها ماثلة بوضوح، ونسمع أحاديثه، ونسمع عن أحاديثه، فتطلّ علينا القيم نفسها قائمة بجلاء، ونتأمل مواقفه في المناصب التي شغلها، والمهام التي اضطلع بها، فنشهد القيم نفسها حاضرة بقوة، وكأن طه حسين، النهر الهادر المتدفق في أرض لم تكن ممهدة، كان وظلَّ هو نفسه دائماً، وكأن مياه نهره قد وصلت، هي ذاتها، بصفائها وعرامتها نفسيهما، إلى كل روافد هذا النهر وإلى كل جداوله»..
طه حسين كانت حياته بطولها وعرضها واستيعابها لمجتمعها في ميزان المجتمعات الإنسانية داخل ثالوث: (ماض/ حاضر/ مستقبل) ماثلة في فضاء خياله في كل ما يكتب إملاءً، فلقد حل خياله محل البصر فصار فقدان البصر «بصيرة».. نعم. لقد أنجب «المعذبون في الأرض» طه حسين الكاتب والمفكر.
-
طه حسين وأسرته
حضور لا يغيب
ومن المؤسف أن طه حسين ما يزال إلى الآن، وبعد مرور ما يقرب من خمسين سنة على رحيله، يتعرض للهجوم عليه، ولا يتردد الذين يعادونه من الافتراء وافتعال الاتهامات ضده وتشويه سيرته بكل السبل والعمل بلا كلل على صرف الناس عنه وإسقاط رمزيته وحضوره بأي شكل، بينما كان الواجب على كل أبناء الثقافة العربية أن يحافظوا على طه حسين كمثل من الأمثلة العليا في حياتهم، فحياة طه حسين كلها كفاح شخصي كبير للتقدم والارتقاء والتغلب على مصاعب الحياة. ويكفي أن يتذكر الناس أن هذا الرجل العظيم قد فقد بصره منذ أن كان في السابعة أو التاسعة من عمره، ومع ذلك لم يمنعه هذا من أن يتعلم في فرنسا، وأن يتقن اللغة الفرنسية إتقاناً تاماً، حتى قيل عنه إنه يتحدث الفرنسية أفضل من الفرنسيين أنفسهم، أما ثقافته وعلمه فلا مجال للحديث عنهما، وتشهد عليهما كتبه العظيمة الحافلة بألوان من المعرفة الرائعة التي ما تزال ترسل بأنوارها إلى العقل العربي في كل مكان، وبين كل الأجيال.
والذين يهاجمون طه حسين الآن والذين هاجموه في الماضي لم يكونوا منصفين، بل كانوا متسرّعين وظالمين، وقد تحكمت فيهم أهواء غير موضوعية على الإطلاق، هذا إذا افترضنا أن أعداء طه حسين والمعترضين عليه هم من الأبرياء وأصحاب النية الحسنة أصلاً، أما إذا كانوا مدفوعين بدوافع أخرى مثل الرغبة في التقليل من شأن العرب، والسعي إلى إثبات محدودية العقل العربي، والنيل من الثقافة العربية المعاصرة والقديمة معاً، فهؤلاء لا جدوى أبداً من الحوار معهم أو الرد عليهم، وهم سيواصلون ما عقدوا العزم عليه سلفاً من استهداف للإنسان العربي والسعي لتقليل ثقته في نفسه.
ولعل الهجوم الكاسح المتصل على طه حسين، قيمةً ورمزاً ومعنىً، طيلة العقود الخمسة الماضية، يمثل عقدة تاريخية ومعرفية مزمنة للمنتمين إلى تيار الإسلام السياسي، مثل جماعة «الإخوان المسلمين»، وما تفرع عنها من جماعات التشدد والتطرف والإرهاب، حيث يكرهونه، وركزوا (ويركزون) عليه هجومهم بالعنف اللفظي غير المسبوق، فقد اتهموه في أخلاقه وعلمه ودينه وإيمانه وعروبته، ورموه بأكاذيب ومرويات يتناقلونها كما يتنفسون دون أن يكلف واحد منهم نفسه ويراجع إحداها ويتثبت إن كانت صدرت فعلاً عن طه حسين أم لا؟..
ولكنهم دائماً، وأبداً، يتناقلون ويسعون بكل جد لتناقل ما يخدم أهدافهم وأغراضهم بغض النظر عن مشروعية الوسيلة وأخلاقيتها!، حيث رموه بالكفر والإلحاد وشوهوه بكل نقيصة واتهموه بكل رذيلة، حاكموه محاكمات غير مسبوقة، ووصل بهم الأمر إلى أن ألف أحدهم كتاباً بعنوان «طه حسين ـ حياته وفكره في ميزان الإسلام» ويكتب الشخص ذاته «محاكمة فكر طه حسين»!
لقد كان حقد الجماعات الظلامية التكفيرية المتعصبة على طه حسين نابعاً من أفكاره الإنسانية، وفلسفته العقلية المنفتحة، ورؤيته الحضارية الرحبة والمشرقة للتراث العربي الإسلامي التي لا تنال إعجابها ولا تروق لها، ولأنه كان نصيراً مثابراً وداعياً إلى التمازج والتلاقح الثقافي بين الحضارات العالمية، ومدافعاً عن حرية التعبير والتفكير التجديدي والديمقراطي، واحترام كرامة الإنسان، ومعتقده الديني والمذهبي وحريته الشخصية، الأمر الذي يتناقض مع الطرح الديني المتعصب والمنغلق، فكان لزاماً أن يلقى جزاءه الرهيب من الاستهداف والتحامل على أيدي هؤلاء طيلة حياته وحتى بعد مماته!
-
تكريم الجامعة لطه حسين
ماذا يبقى من طه حسين؟
طُرح السؤال أعلاه مراراً وتكراراً قبل وفاته، وبعد موته، وبعد سنوات طويلة من رحيله عنا.. ومع ذلك، فإن هذا السؤال ما زال حاضراً يتردد ويطرح نفسه بقوة وثبات.. هل لأن الأمور الفكرية منذ رحيله ساءت عما كانت عليه، هل لأن أصوات الانغلاق والجمود والتطرف هي التي كتب لها التفشي والانتشار منذ رحيله وحتى الآن، بدرجات متفاوتة، وتحت مسميات عدة وبمضمون واحد، يهدف إلى إلغاء العقل وقطع أي سبل اتصال معرفي جذري بالعالم والحضارة والمدنية الحديثة، بوهْم الصراع الأبدي بين أصحاب هذا الفكر وغيرهم من المختلفين عنهم ثقافة وديناً وعرقاً؟!..
لم تكن هذه الأسئلة هي شاغلي وحدي وأنا أكتب كتابي عنه في العام الماضي.. بل كانت شاغلاً وهاجساً لكثيرين في مصر (وفي محيطها العربي أيضاً الذي انتبه بعضه مؤخراً، شرقاً وغرباً، إلى أهمية وقيمة ورمزية طه حسين، ومشروعه الفكري والثقافي ككل)، فقد كانت شاغلاً لمثقفين ومفكرين عديدين، معنيين بسؤال التخلف والنهوض، والبحث عن سبل الوصول إلى مستقبل أفضل.
وحتى قبل وفاة طه حسين بقليل.. طرحه أيضاً غالي شكري في كتابٍ بالعنوان ذاته، وأداره على حوار «وَدَاعيٍّ أخير» مع طه حسين تحسّر فيه كثيراً وتفاءل قليلاً، ومات بعد أيام قليلة من حرب أكتوبر المجيدة التي أبصرت بها مصر بصيصاً من الضوء في نهاية النفق، وكان تعليق توفيق الحكيم صديق العمر ورفيق الرحلة عبقرياً حينما قال «مات طه حسين بعد أن استردت مصر روحها».
وحينما طرح غالي شكري السؤال على طه حسين، أجابه بصوت واهن ونظرة متشائمة:
«يخيل إليّ أن ما كافحنا من أجله، هو نفسه لا زال يحتاج إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم.. إنني في آخر أيامي، أودعكم بكثيرٍ من الألم، وقليلٍ من الأمل.. أين أبناء جيلي؟ لقد عشتُ لسوء الحظ بعدهم، ثِقْ أن جميعهم ماتوا وفي قلوبهم حسرة».
وبعد وفاة طه حسين طرح السؤال ذاته آخرون، لعل من أبرزهم الباحث والمفكر نبيل عبدالفتاح، ومن قبله السيد ياسين، وطرحه أيضاً حفيد طه حسين في العلم والنقد والفكر، المرحوم جابر عصفور الذي لخص إجابته في خمس كلمات، ثم فصلها في صفحات طوال!.. هذه الكلمات الخمس؛ هي: (الحرية/ العقلانية/ الإنسانية/ العلم/ العدالة).
نعم.. جسدت رحلة طه حسين ومشروعه وكفاحه المبهر محاولة ترسيخ هذه القيم في الثقافة المصرية والعربية، لنسمِّها أم القيم، هي التي دارت حولها، كلها أو بعضها، اجتهادات المفكرين المصريين والعرب، شرقاً وغرباً، وكتابات المؤرخين والمحللين والباحثين عن سبيل للخروج من أزماتنا والانطلاق إلى آفاق رحبة وواسعة.
ومن بين إجابات عديدة طرحت للإجابة عن هذا السؤال؛ لفتت انتباهي كالعادة إجابة المفكر والباحث نبيل عبدالفتاح، لنر أولاً إجابته الجامعة الموجزة المؤطرة للفكرة، يقول:
ما الذي تبقى صالحاً من كل هذا الإنجاز الفكري والأدبي؟
... سؤال طُرح علينا، إنها محضُ المحاولة الجسورة، كمشروع لأي باحث، أو مفكر، أو مثقف، الممارسة الفعالة للعقل النقدي، وثقافة الأسئلة، ومساءلة السائد والتاريخي واللاتاريخي، من منظومات الأفكار، ونقد السلطات، منهجياً، ومعرفياً، وفلسفياً، ونقدياً، وسردياً، وشعرياً.
العالم المعرفي والفلسفي، والسوسيولوجي والنقدي، وأنماط الكتابة والثقافة، تغيرت جذرياً -منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي والثورة النظرية والتطبيقية الألسنية- إلى تحولات ما بعد الحداثة، وما بعد بعدها، ونحن الآن في عوالم سائلة، تتشكل بسرعة، في إطار الثورة الصناعية الرابعة، وعالم الروبوتات، وما بعد الإنسان، وما بعد الحقيقة.. الكتابة والفلسفة، ونظريات الحداثة وما بعد بعدها، تتغير، مع نهاية الإنسان كـ«مركز للكون».. ما الذي سيبقى من عمل العميد وأثره الفعال، وهل لا يزال صالحاً؟..
سيبقى العمل -نفسه- جزءاً من تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر، إلا أن موروثه الفاعل، سيكون جزءاً من المقاربات النقدية الجديدة، ومن وعي المثقفين والمفكرين. ومعه، تظل حية.. قيمة العقل النقدي الشجاع.